انفجارات

نخلة الميلاد

طالما سافرت في ليلة صيف؛
يرقص اللحن على خطوي المخاطي،
وأنغامي الحزينة.
صدئ الرعب،
وغام الليل !
كدست فواتير المآسي؛
فوق جفني .. إقرأ المزيد…

قائمة المغضوب عليهم

موجز للأخبار
بحجم المسألة

اسمك كان المبتدأ،
وكانت النهاية السقوط في العينين؛
كان الحلم أولا؛ بحجم الأرض؛
فيها الشجر الواقف كالجبال،
والتماثيل التي ارتكبت بحضورها الحب،
وفيها الموت، والحياة؛
فيها الساقطون، والراضون؛
فيها المطر الصيفي
فيها الفقراء.
ثم استحال الحلم ورقا خريفيا؛
تساقطت أجفانه في الوحل؛
كانت الوحوش مطرا- يحترق
الزيت ، وفي المسام
يحرق العرق.
اسمك كان المبتدأ..
يا امرأة؛ كالشمس؛
يا غزالة الصحراء؛
يا أدغال إفريقيا؛
تنفجر الشهوات..
انكسرت أعمدة الضوء..
تحول الحب رصاصا..
زخت السماء
انثقب القمر.
تساقط الورد / بكى الحمام / انحنت النخلة/
في عجاجة المساء / سافر الوجه الغريب /
انتحر القدر.
يا امرأة كالشمس..
يا أدغال إفريقيا..
يا غزالة تدخل لب القلب دون رخصة؛
تكتب شيئا فوق الصفحة الأولى
تحاور الجبين لحظة،
تنسى العيون في المغارات/ تنام فوق الطين /
ترتمي فوق الرصيف الآخر المعقوف/
ترتجي / ترحل فجأة / اقتحم الصمت / البكاء / ..آه
” أبعد البعداء
من كان بعيدا عن محل قربه”
يكبر شكل الحلم في العينين؛
كنت مطرا؛
كنت ثمارا في الدوالي دانية؛
كنت نخيلا؛
كنت موسما لهذا البلح الأصفر؛
كنت في شفاه الصبية الحفاة بسمة وأملا؛
كنت إلى العشاق قمرا؛
وكنت للثوار بندقية،
حزام خرطوش / تمردا / حرب عصابات /
وكنت غضبا.
يكبر شكل الحلم في عيون فقراء وطني،
تحترق المراحل / الحواجز.
الحلاج يغزو حلقات الذكر
تنطلق الثورة من رصيف الشارع الأيسر
يمرق الأشخاص / الورق المقوى /
يجادلون الموتى؛
في شرعية النظام،
في إيديولوجيات المعارضين؛
تنزع الستائر السوداء من نوافذ البيوت؛
يخرج يونس السجين من أحشاء الحوت؛
فجاءة ينتحر السكوت :
احبك..إن الوجد يملأ خاطـري!
وعيناك في دنياي فيـض مشاعـر
تماديت في البعد الهلامي فانحنت
أمــانيّ أغصـانا بــدون أزاهـر!
جوادي بأفق الغيب يطعنه الدجى..
وعـاد بلا سرج جريح الخواطـر
فامضغ صمتي.. مات أيوب بالأسى
واقـرع سني.. يا شقا كل صابـر!
فإن السموات التي أمطـرت أسى
لتمطـر للثـوار نصـر الجزائـر
وحدك كنت تغزو حلقات الذكر!
كنت/ في بغداد/ في القصبة/ في دمشق
في شوارع المدينة/
يداك في معطفك الجلدي؛
تبكي في سواحل البلاد؛
تضحك صادقا، أو كاذبا،
في ساحة الثورة والتحرير.
يملأني شعور؛
بالموت..بالدمار..بالغربة
احن بالبكاء:
كان في الحان شاعـر
يمـلأ الحـان بالغـناء
عـاد للأرض مــرة
فـرأى الناس في شقاء
بضعهم حاكم بلا
حكـم وبعضـهم ببغاء
فرمى العود وانصرف
يملأ الحـان بالبكـاء
ودعــاني إلى .. إلى !
و لم يكن مستحيلا
بان يجيء المجاهد
سكيكدة 1974

قائمة المغصوب عليهم

أتدحرج فوق سلالم منازلنا المنخورة

ويدي اليمنى في جيبي الأيسر
ويدي اليسرى غارقة في غابة ثلج..
أدخل صخب الشارع؛
تحتد ضلوعي باحثة؛
عن جسدي الضائع؛
في بئر الصمت.
أتحسس رأسي
المتأرجح؛
في قائمة المغضوب عليهم
معروقا يتدلى كثدي عجوز !
أتحسس رأسي..
ألمح شرطة عصر الموت وقوفا؛
في ساحات أثينا واسطنبول؛
وجه أنجيلا اصفر..
في أقبية الموت المتأخر؛
لوركا يحمل بين ضلوعه مدريد الخرساء؛
ويهرب..
زوربا اليوناني ما ارتد !
ولم يكمل رقصته المسكين؛
فحزت رقبته في بيت ريفي مهجور.
في أخر لحظة
انتحرت أم عربية
حزنا، في آخر هذا الليل،
على جندي عربي؛
ألقى نفسه في عرض البحر،
ولم يرض بالصمت المطبق.
ألمح واشنطن في بركة دم
أتحسس رأسي؛
تتوالى قائمة الموتى,
يجهش مذياعي الحجري؛
فتطفو أنهار الفيتنام
بجثث الأطفال!
أتحسس رأسي.
أعري في صخب الشارع
اصرخ..
اصرخ..
اصرخ.
يا زمن الوصل:
تعال ..
تعال.
أتأوه ..؛
يفلق راسي الغثيان ـ الدوار
فأنهار.
أذكر قائمة المغضوب عليهم؛
أتحسس راسي!
أذكر قائمة المحظورات،
في عصر الموت:
الحب..الميلاد..الكتب
الأرض..الشعر..الثورة
يا شرطة هذا العصر؛
مواخير المدن / القيح /
المدنية؛
هذا أنا؛
جسد فوق الأوراق.
أتحسس أقدام الآتين؛
تغوص جذوري في الأرض..
اشتدي..
امتدي..
اشتدي..
امتدي.
يا زمن الوصل
تعال..
تعال
الجزائر1972

مقاطع من رسالة خاصة

في اليوم الأول من هذا العام؛
أكتب ـ يا أمي ـ كلماتي اصغر من حزني
الصاعد من اقبية الزمن المتعفن.
أكتب … لكن
قد صار الحزن بحجم الأرض،
فلا قوة للحرف المدمى
أن يحمل أكثر
من حده.. !
أكتب؛ في آخر ساعات الليل الغافي؛
كالقطة منذ صباح اليوم الأول؛
في نزل رطب تسكنه الجرذان
وبقايا الفرقة والأحزان.
في نهج مهجور يحمل اسم شهيد؛
مات- كما يحكي- في ظرف غامض؛
في آخر طرف من حي القصبة.
أكتب .. لكن المتنبي !
يستوقفني
فأردد :
آه … من كلماتي عليك !
آه … من كلماتي عليك !
آه … من كلماتي عليك !
في آخر مرة..
كنت… كتبت لك خبرا مزعج
لكن؛ الآن………
لا..لن اكتب شيئا مزعج. !!
فانتظريني
في آخر هذا الوقت
قد تتغير كل ملامحي وجهي عليك
لكني لم أتغير :
” يغير من الدهر ما شاء غيرها
وابلغ أقصى العمر وهي كعاب.”1
ما زلت؛ كما كنت؛
أجوب الشارع:
ضيق شارع الاستقلال
فسيحة ساحة الشهداء !
يرغمني حزني؛
أن أضحك في وسط الشارع
أضحك
أضحك
أضحك
لكن…
أول الغيث قطرة
نقطة؛

نقطة؛

فنقطة
الجزائر1975

قيثارة الرعد

إذا ارتحلت نحو الديار قصائدي
فلا الليل يخفيها، ولا القدر الصلد!
عبرنا إلى أيامها ساحل الهوى؛
محيطا من البلوى؛ ريـاح به تعـدو.
وكانت عصافير؛ من الفجر عذبة،
وحلـم من الأوراس قيثاره الرعـد!
فيا زهرة في الريح؛ هذي مشاغلي
طيور من الفجر الجميل؛ بها تشـدو
تجيء كبرق؛ كل صبح؛ غريرة؛
وقلبي مـن الأشـواق؛ أتعبـه الصـد.
لعينيك يا حلم قصائد موسم؛
على صفحـات العمر؛ وقعـه الوعـد
ألا.. فابحثي في العشب قلبي مبحر
حقائبـه حبـلى بمـا أثخـن الوجـد
فهذي بلادي حفلة العشق، والهوى
وما قدر الإنسان، إن خانه المجـد?!
تطوف خيالات من الموسـم الـذي
سقاه سقاة، من حنـاجـرهـم رعـد
.. وتنكسر الأمــواج؛ دون مذلـة
إذا كان جذرا لصخر في الأرض يمتد
وتلك بقايا العار يعلو ضجيجها
كبوم على الأطـلال تنعـب، تحتـد
ويزحف نحو المجد إنسان عصرنا
وما قالـه التاريـخ لـيس لـه بــد

الجزائر 1975

العبور نحو بوابة الخروج
صوتها كان يمتد جسرا؛
من الحزن؛
بين العراق وفاس
التي عشقت عريها في سنين الهزيمة:
– معتم الوجه كان.
– حسنا.
– صفد الحزن عظم اللسان.
– حسنا.
– فقد الاتزان المكان!
– ……………
وتكدس فوق جبيني نهر…
تساقطت المومسات / الحواجز؛
أبحرت نحو حواري دمشق؛
وسافرت مستوحشا في ضواحي المدينة؛
كانت حزينة.
منذ أطفأت النار هذي البيوت
التي لم تعد تتذكر طعم الرغيف.
شعرها كان سنبلة في الحقول،
خدها كان تفاحتين،
ثغرها كان بنت الكروم،
صدرها كان كوخا حزين،
نهدها كان مطفأة العابرين،
فخذها كان ..
كان.
تعبر الفجر خيل الخوارج؛
مثل البيارق؛
نحو امتداد الفرات الخصيب،
أصفر كان وجه المسافر،
ـ ثار في البصرة الفقراء.
ـ ……………………………..
ـ أشعلوا النار في واجهات الحوانيت؛
أحرقت النار وهران، والقدس.
كان الأمير المعظم؛
يلعق دما تساقط من غمد سيفه
حين اختفى التاج من رأسه
في ضواحي المدينة:
ـ يولد الزمن الغجري إذا سكت الفقراء !
ـ حسنا
ـ حسنا
في دمشق،
وفي الكوفة الحجرية،
وفي زنقة القصبة؛
كنت ..
تثقلني صخرة في اللسان.
غير أني في السوق؛
لاقيت أهوال عصر المغول،
وفي حلقة الفقراء
استمعت إلى هودج الكلمات:
اسمعوا أيها الواقفون على حافة الموت
والفقر يسرقكم،
اصرخوا:
ـ تسقط الأنظمة!
أصوات:
تسقط الأنظمة ..
ـ تسقط العاهرة!
أصوات:
تسقط العاهرة..
وامتطيت السحاب؛
أسابق ظلي :
ـ اتبعوني؛
اتبعوا أيها الفقراء!
فأنا من دمشق الى سلجماسة،
جسر الوداع،
وجسر اللقاء!
……………………………………
أيها المتعبون اعبروا!
فدمي النهر والمركبة!
و ذراعي الجسور. ! !
الجزائر 1973

تحرير ما لا يحرر

الفصول العاتية

من كان يدرى؛ أن هذا الفجر

يحمل وردة، أو زوبعة؟

من كان يدرى؛ أن هذا الطفل

يحمل وعده، أو مصرعه؟

من كان يدري؛ أن قلبي

حبه قد ضيعه؟

*        *        *

يا نخلة الأحزان

قلبي سوف يرغمني على صبر طويل

سوف يرغمني على جرح خطير

سوف يرغمني على عينيك..

هذا الفجر حدثني عن امرأة من الأحلام

تطلع كالبنفسج،

لم تكن تحت المطابع،

والطوابع،

أو عمارات المدينة،

كالصباح تجيء في ورق التلاميذ الصغار.

*        *        *

وأنت يا من يستبد بك الحنين

تطالع الأمواج، والقمر الخجول؛

لعل ريحا من سماء الله تأتي،

لعل هذا الوضع يأخذ شكله،

ولعل حلما قد يجيء فجاءة،

لم تدر أنك؛ تستبد بك الهواجس

تستبد بك العرائس

يستريب بك التوهج، في احتمالات الوصول

إلى الحصول على بقايا لحظة؛

هربت من الزمن البطيء.

إن الطريق طويلة / مقهى / ارتفاع الموج /

غانية المروج / دمدمة الرياح / الوقت /

عاتية الفصول / ملامح الزمن المزنجر/

أنت في الكتب الخبيئة،

أنت يا من يستبد بك الحنين.

أراك تدخل فارغ الكفين،

تشرب قهوة، وتقول شيئا؛  في الزراعة؛

والسياسة والحماسة في فصول القحط،

تكفر بانقلاب الوضع،

تعرض حلمك البدوي للصحف الغريبة

تمتطي لغة القرار، أو الفرار.

*        *        *

صور تمر / مرايا / أطفال بلا خبز

براكين من الأهوال / حلم مزعج /

قدر كأسنان الفولاذ /

تغيم ذاكرة تؤكد ما روته،

عن المجاعات المريعة،

تحقيقات شهود إثبات،

وأعضاء من الفقر المسلح،

فالطريق إلى الخيانة مستباح

والطريق إلى المهانة مستباح

والطريق إليك ..

ممتنع، وممنوع؛

كما امتنع الطريق

على العشيق؛

إن الشوك، دون الورد، منتشر

ومنتثر، وأي طريقة لك في الخيار

يا أنت ..

يا من يستبد بك الدوار ؟؟
1979

 

تدوين حافل، لحلم مغدور

بين القرنفل والقتيل

تركت سنابكها الخيول!!

*        *        *

يا من يمزق حلمه في الصحو، بين رصاصتين،

ووردة لدم النهار؛

ستكون منتشرا على أضلاع بحر الروم،

مرتبكا أمام توجس الأمواج، والأفواج؛

يأكل قلبك الفرح القتيل!!

ويرتديك الواجب المسكون بالفرص المريرة،

والسكون،

وآخر الرحلات؛ في زمن النزول على الهلال!!

وأول الأقوال في ورش الصداقة؛

بين عاشقة تموت!!

وأخرى ترتكب السكوت،

وسينمو فيك البوح؛

تنسحب المدينة في مياه الملصقات/

الذكريات/ الذاهبين إلى عروس البر/

سوسنة الغضا في آخر البستان/

كان يغطي منكبها النشيد،

وأذرع المتمردين/ الخارجين على قوانين

السياسة والتعاسة.

سوف تهتاج الصراعات البسيطة،

غير أن النجم يلقي فتيله،

ويكون في الليل انفجار حاسم!!

كشفت مداخلها الجداول

فلتكن

ريحا مزمجرة، برقا خاطفا

وحديقة، وتعاونية شاهدين على استواء البحر؛

في وضح النهار!!

*        *        *

يا من يمزقه الدوار

ستكون بين حديقتين؛

الأولى: لليل المدجج بالخطايا

وانتشار الجند عند النهر

والأخرى: تكون لزهرة ترث المكان.

وتدب أزمنة كرتل النمل

تقتحم الحدود إلى الفراغ!!

وأنت منتشر على الأوجاع؛

خدرك الهواء الرطب في زمن عقيم؛

سوف تنسى،

سوف تنأى،

وتهيم في الطرقات، والمدن البعيدة؛

غير أن الريح سوف تحرك الصفصاف؛

تنهض ساحة الشهداء،

ترحل، ترتمي؛

حول الشوارع آهة المتزاحمين على الزوال/

على البطالة/ والمخابز..

إن وحدك لن يعود بزهرة الأسرار

في وضح لنهار!!

*        *        *

ومن المساء إلى خضم الجوع

ينتشر السعال؛

يكون جيش الغالبين،

على سواد البحر منتشيا أمام تصلب الأمواج

يأكل خبزه، وشرائح السمك المعلب،

والعقائد في صراع الأيديولوجيات،

والعقد العويصة؛

يرتدي لحم الشهيد،

ولحمه القديد في علب السياسة

للصراع الخارجي!!

ـ من أي رابية تجيء؟؟

ـ من أي رابية يجيئون؟؟

*        *        *

الحقائق فاضحات؛

والعصافير التي هجرت مواطنها؛

اضمحلت ملصقات في جريد النخل،

والشجر الذي حكمت عليه رداءة الأوزان

بالصلب المؤبد في الشوارع!!.

.. إن قلبك صار مجزرة لأحلام الطفولة،

والإذاعة لم تسجل أي حادثة تثير الرأي

في هذا الزمان، سوى العواصف والقواصف؛

في بلاد العالم الأخرى،

من الشرق الحزين،

إلى أميركا اللاتينية

أنت القضية!!

يا من يخدره اختلاط اللون باللون المقابل؛

إن معركة من الألوان تنشب،

تكشف الزمن الحبيس،

وقلبك المشحون بالأهوال،

والآمال.

وحدك يرتديك؛

فهذه لغة السكوت،

وتلك فاتحة الصعود إلى القمر!!

من أي رابية تمر؟؟

من أي رابية تمر؟؟

من أي رابية تمر؟؟

1978

 

من كل رابية

من كل رابية، من كل محتشد

أتيت أحمـل أوجاعي بمـلء فـمي

كل الخناجر، غدرا، مزقت شفتي

حتى تمرسـت؛  بالآهــات والألـم

فلا الغناء؛ يطيب الآن رائعه

ولا القصائد، إن كانـت من الكلـم

إني أراقص أوجاعي وأرفضها

يا من يراقص أوجاعا؛ مـن السـأم

إن الحروف حبال حاصرت عنقي

يا زهرة في شفاهي أصبحت سقمي

تفجري غضبا في الأرض وانتشري

قصائدا من لهيب الجمـر والحمـم

وحركي قدرا قد بات من صنم

ولتزرعي الأرض موالا من السلم

أنا جــراح،   من الأيـام آتيــة

أنا براكــين غضبـان،  ومنتقــم

أنا الحديقة أذكي اليوم فتنتها

وأمـلأ الكـون،  والأخبـار بالشيـم

الشمس قبعتي، والأرض مزرعتي،

والبحر والنهرشرياني،وفيض دمي

آت .. وفي دفتري ناري وأسلحتي

وزهــرة من شـذاها ينتشي قلـمي

1978

 

سفر الإشارات

كانت عيناك معبأتين، كسنبلة، برضاب الرغبة.

فاجأني الصمت المسحور؛ حروفا نافرة،

ودوائر معشبة؛ تقتتل الحيتان

على أبراج الليل المطبق.

فيها قدر.

يربض مثل سنين الجوع؛

على كفي المضمومة في وجه الأعيان،

وأصحاب الشيشان الملتفة كالحلزون،

وبرانيس الوبر

وما خلفه الوضع التركي

وعلوم الروم المنكشرة.

*        *        *

بادرني صوتك مبحوحا،

من خلل الثلج المحروق،

وأكوام الطين،

وأعراس البدو،

في حمأة ساعات الليل؛

ينزل من أعراق الطمي

غريبا،

يفتح ممتلكات المحجوب المتوحد

في ملكوت الوجد :

يا نجمة العشق، قلبي العشق يضنيه

وذلك الوعد من عينيك يغريه

قلبي أنا وردة؛ مــا زال سارقــها

لا يعرف الوجد، والنيران تكويه

وكنت فصلت من ضلعي، ومن حدقي

أوتـار قيثـارة؛ كـانـت تغنيـه

تأوهت في حنايا الحزن وانجذبت

على ذراعي؛  دمـوعا من مراثيه

عريتها، وسكبت الحــزن أوردة

فعربدت في ضمير العشب تحييه

وكان نورا …

*        *        *

يبهرني هذا الريح المجنون؛

يحطم سارية الليل؛

مبادهة ينزل،

يرسل نحو القمر السكران

حمائم تلبس أردية الرغبة.

كان على شفتي وطن

يرتجل الوجد

باركني الشجر الثابت

طرزت على ذاكرتي ميثاق الغضب النافر

عبر عروق الليل السافر

عبر جذور الشجر الحائر

عبر فصول الوطن الثائر

غمست الجرح؛ بنار الفجر المحتـدة في إفريقيا.

كان معي لوركا؛

يقرأ أشعارا لمواعيد الوجد؛

يغازل نجمات الجبل العاري؛

قمر المدن الوحشية،

تخرق عينيه صواريخ العيد..

*        *        *

ما زال يعانق ذاكرتي؛

طيفك،

في سهرات البرد

يحملق مبهورا في الطفل الواقف في شفتي،

يلوح بالأيدي؛

يحمل وعد الثورة،

جاء الشهداء.

عبر طريق تفرشه صيحات المرتدين،

وأبواق النصر

*        *        *

تسائلني الريح

عن الآتين

وتكتب فوق الصخر

وعلى جذع الشجر الصامد

أوقات النجم الساهر

في آخر رابية

تتدثر بالبارود

وتعصف بالمارق

قال الخالق

اكتب صفحة تاريخ بارق

اكتب؛ ما شئت؛ حارق

فالق

فالصفحة تصبح فجرا شارق.
1975

أشهد أنني رأيت

أشهد أنني رأيت

أشهد أنني رأيت أزهارا بلا مذاق؛
اشهد أنني رأيت أطفالا بلا أحداق؛
اشهد أنني رأيت انهارا بلا عنوان؛
اشهد أنني رأيت تاريخا من الأمطار والدخان؛
اشهد أنني رأيت عشاقا بلا أشواق؛
اشهد أنني رأيت مدنا تغرق في الأنفاق؛
اشهد أنني رأيت أشجارا من النسيان والأحزان؛
اشهد أنني رأيت أحلاما على الأوراق؛
اشهد أنني مشيت في الحارات والأسواق؛
اشهد أنني رأيت وطنا يحكمه السراق؛
ولم أر غير الذي رأيت في الآفاق؛
اشهد أنني أقول:
” قسما بالنازلات الماحقات”
وأنني أومن بالحياة والممات؛
اشهد أنني رأيت ما رأيت
لكنني أعجب أن أرى؛
مدينة تذبح حلمها،
وتذبح الأشجار،
و الأشواق.
الجزائر 18/04/1969

 

وطن يتألم من رأسه

يستوقفني أحيانا صوتي؛
يستكمل دورته،
ويفك إعشاب الوقت؛
تتبعثر كيمياء الأعصاب؛
هيولى تغزو عصافير الرغبة،
أو تتنابز بالألقاب؛
تتناثر عبر الريح؛
كأوراق الجر المذبوح؛
بساحات المدن المهجورة؛
في زمن تتناسل فيه الأحزاب.
وأحاور موتى؛
يستدرج بعضي بعضي الآخر؛
في حفلة قتل؛
تصهل فيها ” نوبات الراي”
و”دعاء” الشيخ،
و” عواء ” الساسة.
وطني يتألم من رأسه؛
هل أفصح عما في خلدي؟
.. لا يجدي صوت من جسدي؛
أو نشرة إخبار البلد.
قال الشاعر:
” أقام على الأوراس عقدا وبعضه
يدمر أس الملك حتى تدمرا
فـدبـر أمـرا؛ أولـه عــمى
وأوسطه بلوى وآخره خرا “1
لم يبق إذن غير دماري،
و عجاج غباري؛
في زمن ضار،
وصراع الإطراف الملتفة،
حول بقايا الجسد الدامي.
من أين يجيء الضوء،
وأسوار القلعة؛
حبل من مسد؟
وسواد يعبر في مدد،
وفراغ ينخر في كبدي؛
بعض ينهش بعضا
وإنا أتضاءل؛
في صبوات الفتك؛
أعود إلى بعض عناصري الأولى؛
ارسم خارطة الأوجاع،
البعد ضياع
والقرب ضياع.
من يسبح في هذا البحر؟
من يتحمل هذا القهر؟
من يذبح أحلام العمر؟
وما في الوردة من لهب قاتل،
وجع اسر.
وطني طفح القلب!
وضاق الصدر،
وطال الشوق،
وطني
وطني
وطني
هل ترحم مقرورا
بلهيب الشوق؟؟!
يتسلق أعشاب النهر؟
وطني
قد تتعدد تلك الإسفار،
أو تتعدد هذي الطرقات،
طرق برية!
طرق بحرية!
طرق جوية!
طرق نهرية!
طرق
طرق
طرق
لكن الوردة القادمة؛
من وجع قاتل؛
ينهش أضلاعي؛
ينخر أوردتي؛
ويحولني لرماد؛
من لهب الشوق!
وطني
وطني
وطني
أنقذني من ميثاق العزلة!
دستوري الفوضى،
ومراسيم الذعر،
وحكايا أهل الكهف؛
فالنهر؛
لا يرجع نحو الخلف.
لا يخرج عن مجراه.
النهر يحدد رؤياه.
وطني
وطني
وطني
لا راحة في إقليم القهر؛
لا نجمة في ليل الملل؛
لا وردة في صحراء العمر؛
لا خفقة ضوء تلمع في العتمة؛
لا شجرات خلف الأجمة؛
لا تاريخ بلا دخان!
لا استقرار بلا شطان.
تتهاوى أنظمة الرمل،
وبحر الظلمات؛
تتعالى الصيحات؛
تتساقط أوسمة اليأس؛
تتعري مصائر مغشوشة؛
تنزف مطر وصديدا.
وزغاريد!
اشتبكت في حلم موبوء!
ينهض من زمن اليأس
ليواصل أعراس البؤس
وطني
وطني
وطني.
الوردة إن شربت؛
من نبع صاف؛
لا تمنح عاشقها
الا عطرا من نبع صاف.
الجزائر 06/08/ 1993

عذبني

عذبني؛
قمر يتدحرج من عليائه!
عذبني؛
ورد يتساقط من أفيائه!
عذبني؛
نهر يجري بلا مائه!
عذبني؛
لحن يتثاءب في ضوضائه!
عذبني؛
ضوء في عتمته!
عذبني؛
قلب في خفقته!
عذبني؛
رسم لم تتحدد في صورته!
………
لكن عذابي لم يتعب؛
وأنا…… يا سادة
لن اتعب!
الجزائر 8/1/1989

ثلج على الصحراء

ثلج على الصحراء؛ أو طيف؟
يحتـد في غـلوائـه الصيـف
وتجـف في أبعـاد موسمـه!
جثث الزهور؛ يلفـها الخوف
وكــأنما الأيـام عاصفــة
هوجاء؛ من أعـدائها الضيف
تهتاج؛ تعوي في جهامتـها
وقد اعتراها الضر؛ والحيف!
من أين أبدأ؟ من جراح هوى
أم من بقايـا هـدها العسف ؟
يا ألـف سوسنـة يمـزقــها
طـاغ يرصـع زنـده السيـف
شدي الرحال إلى بساتين الشذى
فالزهر من أوصافه اللطف !
والنسر موعده على عالي الربى
كالأصـل لا يغتالـه الزيف

جدير بأن يقرأ

حومة الطليان
بقلم: مخلوف عامر

في هذا النص ينقلنا د.”أحمد حمدي” إلى أجواء حرب التحرير انطلاقاً من وهران العريقة في مقاومتها الغزاة. وهران التي تقف فرساً جامحاً على ضفاف المتوسط، يحرسها “سيدي الهواري” من موْقعه هناك، بينما تتلصُّص على هذا الولي الصالح  سانتا  كروز من موقع أعلى . ويربض في مرساها الكبير أسطول تكنَّر لأمه فرنسا ليدعم حكومة  معبودها بيتان ويرفض الالتحاق بمقاومة النازية

.. إقرأ المزيد…