فضاء أحمد حمدي

تجديد لغة الإعلام والأدب

في تجديد لغة الإعلام ولغة الأدب

لا شك أن العنوان المذكور أعلاه،  يثير عبر صياغته العمومية، بعض التساؤلات المتعلقة بقضايا اللغة والإعلام من جهة،  وقضايا اللغة والأدب من جهة ثانية، تلك القضايا التي تلتقي كلها في نقطة جوهرية واحدة هي فاعلية الاتصال والتبليغ والتبيين.


بيد أن البحث العلمي لظواهر اللغة الإعلامية، واللغة الأدبية، وتطور ذلك عبر الزمن يتطلب مزيدا من التركيز، وكثيرا من الدقة والتحديد، حتى لا تنصب الجهود نحو شكليات قواعد اللغة والألسنية، وتهويمات ذهنية في نظريات الاتصال الحديثة، ومن هنا يصبح من الضروري  لفت الأنظار نحو جوهر العلاقة بين اللغة ومحمولاتها  سواء كانت إعلامية، أو أدبية، وبذلك تكون مشروعية الحديث عن تجديد الخطاب العربي.

إن اللغة كيان قد يكون مستقلا عن الأدب، ومستقلا عن الإعلام، لكنه لن يكون بالتأكيد مستقلا عن الاتصال، إذ أن اللغة البشرية أداة أساسية في الاتصال البشري.

ولا شك أن اللغة تزخر بمستويات عديدة، وتكاد تتحدد بالمستويات الاجتماعية، وبأنواع وبأشكال الخطاب، وعليه فقد رأى بعض نقاد الأدب أن لغته يمكن تمييزها بالنزوع نحو تفجير المفردات اللغوية، وإشباعها بالأبعاد الخيالية،  وبالمعاني والدلالات المبتكرة، وفي سياقها العام لا تعدو أن تتفرع إلى مستويين كبيرين هما:

ـ مستوى لغة النثر

ـ مستوى لغة الشعر

وتحت هاتين اللغتين لغات أخرى، وبتعبير أدق، مستويات لغوية أخرى، حيث يذهب بعض الكتاب إلى القول بأن لكل عمل أدبي لغته الخاصة، بمعنى أن لكل قصيدة لغة تختلف عن لغة القصائد الأخرى، ونفس القول ينسحب الفنون الأدبية الأخرى كالقصة والرواية والمسرحية..

نفس الإشكال يطرح لدى تفحص لغة الخطاب الإعلامي، وهي لغة وسيطة تقترب من لغة الحديث اليومي في أنواعها الخبرية ، كما تقترب من لغة الأدب في أنواعها الفكرية والجمالية.

وعلى العموم فهي أيضا تستند إلى  قواعد مضبوطة، وفنون مشروطة، وأجناس معروفة، ناهيك عن أنها كالأدب تتفرع إلى مستويين كبيرين:

ـ مستوى لغة الإعلام المكتوب

ـ لغة الإعلام السمعي البصري

وتحت هاتين المستويين، هناك مستويات أخرى منها لغة الإعلام الثقافي، ولغة الإعلام السياسي، ولغة الإعلام الاقتصادي، ولغة الإعلام الرياضي، ولغة الإعلام الشبابي والنسوي ..الخ

إذا تأملنا مليا في تفاصيل هذه النقاط، نجد أنفسنا أمام موضوع شائك، فسيح الأبعاد، ويزداد تعقيدا  إذا أضفنا إليه أن اللغة ـ أية لغة ـ ليست حيادية إزاء القضايا الاجتماعية، ومشاغلها اليومية، فلكل طبقة أو فئة اجتماعية لغتها الخاصة، وخطابها السائد، وهكذا  فلطبقة البورجوازية مثلا  لغتها ومصطلحاتها، وسياقها الخطابي، ولطبقة العمال والشغيلة لغتها ومصطلحاتها وسياقها الخطابي المعبر عن مطامحها وانشغالاتها وتطلعاتها..الخ

وفي الصفحات التالية سنقوم  باستعراض وتحليل  العوامل التي تميز كل لغة على حدة، بهدف إحداث المقارنة، وإعادة التركيب، كمقاربة لتجديد اللغة وخطابها الإعلامي.

لغة الخطاب الأدبي
يتفق جل  الكتاب والباحثين على أن الأدب تعبير لغوي، يستعمل الكلمات والمفردات كجسر وقناة لتوصيل وتبليغ مضمونه وتحقيق غاياته وأهدافه، هذا الأمر يفضي إلى ضرورة الحديث عن خاصية الترابط العضوي المتين بين الخطاب الأدبي واللغة، ذلك أن الخطاب الأدبي  يطور اللغة، ويسمو بها إلى أرقى درجات الإبداع، بل وكما يقول الشاعر الكبير أدونيس أنه:

( فن جعل اللغة تقول ما لم تتعلم أن تقوله، ما لا تعرف اللغة العادية أن  تنقله ).

فالخطاب الأدبي  يعيد خلق اللغة من جديد ويحررها من عاديتها، ويشحنها بدلالات وإيحاءات مبتكرة.  لكل ذلك أمكن القول بأن لغة الأدب هي أسمى مستويات اللغة البشرية، ولا ريب  في أن اللغة البشرية هي نتاج تطور اجتماعي.

إن ما يمكن تأكيده هو أن عملية تطوير اللغة عبر الأدب، لا يتم بمعزل عن حركية المجتمع، لأن هذا الأخير هو الذي ابتكر وأبدع اللغة والأدب، كوسيلة تعبير، وقناة اتصال، وهو الذي يفرض من جهة أخرى مفردات اللغة المتفق عليها اعتباطيا من قبل أطرافه وعناصر مجموعاته.

يذهب الكاتب الروسي كوفالسون إلى القول:

(لقد نشأت اللغة من ضرورة المعاشرة بين الناس في عملية الإنتاج. وفيها تتراكم الخبرة التي تكدسها البشرية ومكاسب الثقافة، ولهذا تبرز اللغة كوسيلة ضرورية لتعويد كل فرد على شروط الحياة الاجتماعية. إن تكوين الوعي الفردي يجري في سياق، وعلى أساس امتلاك اللغة. ولقد جعل العمل واللغة من الإنسان إنسانا. و لا يزالان وسيلتين ضروريتين لجعل كل فرد عضوا من أعضاء المجتمع، لجعله كائنا اجتماعيا).

وفي ظروف قريبة من ظروف نشأة اللغة نشأ الأدب، كفن وكوسيلة تعبير يقيم عبرها الأديب علاقة اتصال،  وتواصل عاطفي مع بني جلدته، بغية التأثير والتأثر الذي يؤدي إلى تغيير السلوكات والمواقف لدى جمهوره المتلقي.

وإذا كانت اللغة عبارة عن رموز وإشارات وصور مشحونة بالمعاني والدلالات، فإن الأدب هو عمل وسرد  لغوي إيحائي مشحون بالمشاعر والأفكار والخبرات، يرصد حركة الواقع ليحولها إلى عالم تخيلي، ليعيد تركيبها من جديد عبر لغة تقوم بعملية توصيف العالم التخيلي.

من هذه الحركة التي تقوم بتحويل وتصنيع الواقع  إلى متخيل ذهني، وهذا الأخير يصب ( بضم الياء وفتح الصاد ) في قوالب  ورموز وسياقات، تشكل في مجموعها الخطاب الأدبي،  شريطة أن تكون تلك القوالب  والرموز والسياقات قابلة للتفكيك، وإعادة التركيب، ومن ثم الفهم من قبل القارئ أو المتلقي بصفة عامة.

في هذا السياق  يمكن تلمس العديد من مستويات اللغة، نذكر هنا أهمها، وأكثرها حضورا في المعاملات الاتصالية:

ـ لغة الحديث اليومي

ـ لغة التدوين والكتابة

وفي نطاق لغة الحديث اليومي يمكن رصد العديد من المستويات اللغوية، كلغة المثقفين، ولغة الفلاحين، ولغة العمال، ولغة البورجوازية..الخ

وفي نطاق لغة الكتابة يمكن رصد لغة الشعر، ولغة النثر الفني، ولغة العلم، ولغة الإعلام بشقيه المكتوب والمسموع ..الخ.

وعلى الرغم من هذا التشعب والتفرع في اللغة/الرموز، فإنها تخضع بالضرورة إلى متغيرات الواقع، بل إن لم تكن  انعكاسا له تفقد مشروعيتها.

إن هذا الحكم يمكن  أن يصدره الملاحظ على الأدب عبر إنتاجه لنصوص جمالية، في حقيقتها هي انعكاس تخيلي للواقع ـ  ماضيا ومستقبلا ـ  لكنه يستخدم اللغة ذاتها كوسيلة اتصال.

يقول تولوستوى عن الفن، والأدب جزء أساسي منه:

(الفن نشاط إنساني يقوم على كون إنسان ما ينقل للآخرين بصورة واعية، وبواسطة إشارات ظاهرية معروفة، المشاعر التي يحسها، فتنتقل عدوى هذه المشاعر إلى الآخرين، وينفعلون بها.)

إن الأدب / الفن يقوم بعملية نقل وتصنيع التجربة من الواقع، وتفاصيل الحياة اليومية، إلى المتلقي عبر قواعد وإشارات ورموز متعارف عليها من قبل الطرفين ، المرسل والمستقبل، وفي حالة غياب هذا الاتفاق المسبق تفقد العملية الاتصالية وظيفتها.

وبهذا الصدد يذهب هورست ريديكر صاحب كتاب ( الانعكاس والفعل) إلى :

( إن اللغة ليست مجرد شكل ظاهري للمحتوى الجمالي، إن العلاقة بين اللغة والفن قائمة في المحتوى ذاته، في الجوهر، ومرادفات كلمة أديب ـ كاتب ـ صاحب قلم ـ فنان الكلمة، وما شابه ذلك مليئة بالمعنى العميق، وعمل الفنان في مجال اللغة، هو عمل في مجال الاتصال الاجتماعي .. عمل لصالح المجتمع، وليس عملا شكليا.)

وعلى ضوء ذلك إنما اللغة هي وسيط فعال ومؤثر، والأدب إن هو إلا استغلال لبعض خصائص اللغة على حد تعبير الشاعر الفرنسي بول فاليري.

إن اللغة كيان متحرك، وليس كيانا جامدا، استوقف انتباه العديد من الباحثين الذين كرسوا لذلك دراسات هامة، أصبح بعضها من كلاسيكيات علوم اللغة، من ذلك على سبيل المثال لا الحصر نذكر أبا الفتح عثمان بن جني، وعبد القاهر الجرجاني، إلى المحدثين الأوروبيين من فرديناند دو سوسور إلى رولان بارث وغيره.

البعض من أولئك الكتاب استخلص أن حركية اللغة الأدبية  إن هي إلا انعكاس لحركية المجتمع والحياة ذاتها، والكاتب المبدع هو الذي يستغل خصائص اللغة، ويستفيد من موروثها الحي.

يقول الشاعر الكبير ت.س.إليوت :

(مهما يستعمل الكاتب من كلمات فإنه يفيد أكثر ما يمكنه من تاريخ تلك الكلمات، ومن الاستعمالات التي جرت فيها، فهذه المعرفة تسهل عليه إعطاء الكلمة الجيدة حياة جديدة، وإعطاء اللغة مصطلحا جديدا، والموروث الجوهري في هذا هو في استخراج كل ما يمكن استخراجه من كل ما يقف خلف الكلمة من وزن كلي للتاريخ اللغوي.)

غير أن مسألة إعطاء الكلمة/ اللغة حياة جديدة في العمل الفني عديمة الجدوى إن لم تضع في حسبانها الواقع الاجتماعي الذي يقرر مصير اللغة، ويطورها، يقول في هذا الصدد محمد دكروب:

(إن العمل على تثوير اللغة بمعزل عن حركة المجتمع، بمعزل عما تنقله هذه اللغة إلى الوعي، يؤدي إلى الانفصال عن الثورة، وإلى الوقوع في شباك النقيض الإيديولوجي لهذه الثورة.)

من العرض السابق يمكن للدارس أن يخلص إلى القول بأن لغة الخطاب الأدبي هي لغة إبداع، وهي تتألق في كل عمل إبداعي حقيقي بمعنى أنها تولد مع كل إبداع جديد، ومن ثم فهي  تتطور باستمرار مع حركة الحياة، بل وفي طليعة هذه الحركة، وكانعكاس لذلك فإن جمهورها محدود نسبيا، لأنه يتكون أساسا من متذوقي الأدب والفن.

إن هذه الحركية الدائمة للغة الخطاب الأدبي لا تهدم اللغة أو تخربها، كما يذهب و يحدث مع بعض المتحذلقين، بل تزيدها  ثراء وانتعاشا وتجديدا، أما نظريات تدمير اللغة وتهديم قواعدها فلا تعني هذا البحث، باعتبارها تقضي على الرموز والإشارات التي يتفاهم عبرها المرسل والمتلقي.

وتجدر الإشارة هنا إلى ذلك الاختلاف الحاصل بين مستويات لغة الخطاب الأدبي في مجالات الشعر من جهة، وفي مجالات النثر من جهة ثانية.

فلغة الخطاب الشعري لا تلاحظ من خلال الشكل وحده الذي يتضمن مسائل الإيقاع والموسيقى والتكرار وغيرها من المحسنات المرئية والملموسة ماديا، وإنما تلاحظ كذلك من خلال التشكيل اللغوي، وخلق الشعرية Poétique  كل ذلك في إطار اكتشاف جديد لطاقات اللغة الكامنة، وتحرير مخزوناتها المكبوتة، بل إن لغة الخطاب الشعري هي إحياء للغة وإبداع لها، وبذلك فهي أسمى مستويات اللغة البشرية.

أما لغة الخطاب النثري، فتختلف عن ذلك، فإذا  كان الشعر ـ حسب التعبير القديم ـ رقصا، فإن النثر مشي، لكن ينبغي أن لا ننسى أن  للمشي قواعد ينبغي التزامها، وإيقاع يجب السير وفقه، وجمال يثير المتلقي لدرجة التأثر، وبذلك فلغة النثر تسمو في أعلى مستوياتها إلى لغة الشعر.

لغة الخطاب الإعلامي
تلتقي لغة الخطاب الإعلامي، في كثير من  جوانبها مع لغة الخطاب الأدبي، خاصة في كونهما تعبيرا  لغويا، غير أن نقطة الاختلاف تكمن في تفاوت مستويات هذا التعبير، وانتمائه لفنون وأشكال مختلفة.

إن الخطاب الأدبي يجنح إلى الإبداع في الممارسة اللغوية، وتفجير طاقات اللغة، والمغامرة في تفاصيل ابتكاراتها وقدراتها الإبداعية، خدمة للغايات والأهداف المنشودة.

في حين، إن الخطاب الإعلامي يستأنس للمألوف من اللغة، ويعمل على تكريسه، حيث أن أهدافه تتوجه بشكل أساسي إلى تقديم المعلومات دون بهارج ولا مؤثرات لغوية، ويهمه بالدرجة الأولى أن تكون وسيلته التعبيرية لا تثير أية إشكالات لدى المتلقي، ولا تأويلات قد تؤدي إلى انحرافات أو تشوهات تطال مضمون الرسالة الإعلامية.

إن الإعلام حسب تقرير اليونيسكو هو:

(جمع وتخزين ومعالجة ونشر الأنباء والبيانات والصور والحقائق والرسائل والآراء والتعليقات المطلوبة، من أجل فهم الظروف الشخصية والبيئية والقومية والدولية، والتصرف تجاهها عن علم ومعرفة،  والوصول إلى وضع يمكن من اتخاذ القرارات السليمة).

لقد أصبح الإعلام في عصرنا صناعة متكاملة، تستخدم أحدث مبتكرات التكنولوجيا، وأكثرها تجاوبا مع ذلك، وأسرعها تطبيقا وممارسة، الأمر الذي جعل وسائل الاتصال في قمة ذلك التطور، حتى صار الذي  يملك الإعلام هو الذي يملك مفاتيح الحضارة.

إن الإعلام قد استفاد كثيرا من التطورات الجارية في عالم تكنولوجيا الاتصال، إلى درجة أن كثيرا من الدارسين والكتاب أصبح لا يميز بشكل دقيق بين معنى الإعلام Information  والاتصال Communication الأمر الذي أدى باليونسكو في تقريرها سالف الذكر إلى القول:

(الاتصال هو ـ عملية ـ  تبادل الأنباء والحقائق والآراء والرسائل فيما بين الأفراد والجماعات، بينما الإعلام ـ المنتج ” بضم الميم” ـ أي الأنباء والبيانات وسائر مضامين ومخرجات وسائل الإعلام والأنشطة والصناعات الثقافية).

فالنتائج والإنجازات التي حققتها الدراسات الألسنية والسيميولوجية، أفادت كثيرا، مفردات الخطاب الإعلامي، ولغته التي صارت تدرس كقوة حية مؤثرة،  من خلال كونها وسيلة ضرورية لنقل المعلومات.

ومع ذلك فإنه إذا لم يحسن استخدامها قد تكون عائقا في سبيل إحداث تلك المؤثرات المنشودة.

وفي هذا المضمار لا يمكن إغفال عامل الاتفاق الاعتباطي  بين المرسل والمستقبل حول دلالات الرموز، وفي هذا الاتجاه يذهب الكاتب الألماني جورج كلاوس إلى القول:

(لمرسل المعلومات، ومتلقيها مخزونان متباينان من الكلمات والمفاهيم، ويكون مخزون المرسل ـ بالجهاز الذي يقف وراءه ـ أكبر بكثير من مخزون المتلقي، لكن المرسل يجب أن يميز نفسه علة مستوى كلماته، ومفاهيمه، فإن احتوت الكلمات على كلمات ومفاهيم يفتقدها المتلقي، في مخزونه المعرفي الخاص، فقد التأثير المرجو منها. أما إذا تأقلم المرسل تماما مع مستوى معين لمتلقي المعلومات، كان مستوى إرسال المعلومات منخفضا وبدائيا).

وبهذا الوضع تتأثر لغة الخطاب الإعلامي، وتكون  ذات مستويات منخفضة، بمعنى أنها لا ترقى إلى مستوى لغة الإبداع، ولكنها بالتأكيد تخضع بحرص شديد إلى مقتضيات الاتصال التي استفادت كذلك من لغة الخطاب الأدبي.

ومن بين نماذج الاتصال العديدة،  يمكن للباحث أن  يتأمل في نموذج ولبور شرام W.Schram القريب من افتراضات هذه الدراسة،  خاصة في مجال الخبرة المشتركة بين طرفي العملية الاتصالية، حيث يعتبر أن هناك نقطة احتكاك وتواصل في مجال الخبرة المشتركة بين المرسل والمستقبل تجعل  من الرسالة مفهومة ومحققة لأهدافها.

يبرز الفرق بين لغة الخطاب الإعلامي،  ولغة الخطاب الأدبي في اختلاف مجال الخبرة المشتركة، حيث أنه لكل مستقبل أدواته لتفكيك وتحليل وتركيب إشارات ورموز النص أو المادة الإعلامية.

وبتعبير آخر فإن جمهور الخطاب الأدبي محدود من حيث العدد لأنه جمهور نخبة، في حين يكون جمهور الخطاب الإعلامي واسعا وغير محدود، لأنه يخاطب كل القطاعات.

وفي مجال آخر، تجدر الإشارة إلى أن مضمون الخطاب الإعلامي يهدف إلى عرض وتقديم الحقائق والوقائع والمعلومات، بغاية التأثير في السلوك، وتكوين الرأي العام، بطريقة مباشرة، في حين ينزع مضمون الخطاب الأدبي إلى تقديم الخبرة والموقف والمعلومات على قدم المساواة مع التذوق الفني والجمالي.

إن جمالية الخطاب الإعلامي تبرز عندما تقوم بنقل المعلومات بفرادة وإتقان، وهي محدودة من حيث حيزها الزمني، بينما تتجاوز ذلك  جمالية الخطاب الأدبي محطمة جدار الزمن.

بيد أن لغة الخطاب الإعلامي، تتميز بانتشارها الواسع، وارتباطها الوثيق بمعطيات الحياة اليومية، وحوادثها المتتالية والمتلاحقة.

إنها لغة تنتشر بسرعة، وتفرض نفسها على المتلقي، بل وعلى لغة الخطاب الأدبي كذلك، عبر سلطة وسائل الاتصال الجماهيرية.

تخضع لغة الخطاب الإعلامي إلى عدة شروط، نذكر منها:

ـ الحصيلة المعرفية للمستقبل.

ـ شخصية الوسيلة الإعلامية.

ـ الكتابة بأسلوب سهل ومباشر وموجز وواضح ومفهوم.

ـ إشباع رغبات المستقبل والمحافظة كسب وده.

والمعروف أن أي رسالة إعلامية تخضع لواحدة من ثلاث احتمالات، عند الاستجابة لها، وهذه الاحتمالات لا شك في أنها تدخل في حسبان المرسل ليكيف رسالته وخطابه معها، وهي:

ـ التأثر إيجابيا مع مضمون الرسالة.

ـ عدم التأثر بمضمون الرسالة.

ـ التأثر العكسي أي مقاومة مضمون الرسالة.

ومن نافلة القول، إن الخطاب الإعلامي،  يستهدف في غالب الأحيان،  التأثير الإيجابي في المتلقي أو المستقبل.

ونظرا لمخاطبته لقطاعات عريضة ومستويات مختلفة من المجتمع، فقد أصبح ذلك الخطاب الإعلامي يعتمد بصفة أساسية على وسائل الاتصال المتطورة، الأمر الذي جعل الوسائل التقليدية تضمر إزاء التوسع الكاسح الذي تكشف عنه التطورات التكنولوجية يوميا.

وهذه الأخيرة  لا شك في أنها  تؤثر على لغة الخطاب الإعلامي، بل وتخضعها لقنواتها، بحيث تصبح هذه اللغة خاضعة لمقتضى الحال، فأحيانا تكون مختصرة جدا، في شكل برقيات وومضات، وفي أحيان أخرى مطاطة وذات تراكيب طويلة.

وكما سبق وأن قلنا بأن للخطاب الإعلامي لغات تنحصر في مستويين:

ـ لغة الخطاب الإعلامي المكتوب.

ـ لغة الخطاب الإعلامي المسموع أو المنطوق.

وإذا كانت لغة الخطاب الإعلامي المكتوب تتطلب بالتأكيد جمهورا متعلما إلى حد ما، ويمتلك خبرات معينة لفك الرموز ، فإن لغة الخطاب الإعلامي المسموع أو المنطوق  لا يهمها ذلك كثيرا، والأمية لم تعد مشكلة أم التطور السمعي ـ البصري.

ونخلص من ذلك إلى القول بأن لغة الخطاب الإعلامي تكون مسايرة لمستوى المتلقي، الأمر الذي تسبب في انخفاض مستوى اللغة، في حد ذاته، عن مستوى لغة الخطاب الأدبي، التي تتطلب جمهورا نخبويا ، بهذا المعنى أو بآخر، جمهورا ينزع نحو التذوق الجمالي.

ونفس الفروق نجدها بين لغة  الإعلامي المكتوب والخطاب الإعلامي المسموع، حيث يرقى مستوى النص المكتوب عن مستوى النص المسموع القريب من لغة الحديث العادي، ومن هنا يمكننا أن نقول كذلك إن لغة الخطاب الإعلامي المكتوب، هي أسمى لغات الخطاب الإعلامي.

في تجديد لغة الخطاب
لقد تغلغلت وسائل الإعلام الحديثة في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية،  وصارت جزءا من تفاصيلها اليومية، كما أضحت تحتل  مكانة بارزة في طليعة مجرياتها، وأصبحت ميزة وضرورة للمجتمعات المتقدمة، والتي تسعى من أجل التقدم، الأمر الذي تطلب ضرورة تجديد لغة الخطاب وتطويرها.

إن ارتباط  التطور الحضاري بتطور وسائل الإعلام خلق حاجة جديدة، سرعان فرضت وجودها، على الأفراد والمجتمعات، وبقدر ما قربت بين الشعوب والأمم بقدر ما صارت تميز بعضها عن بعضها، بل ومكنت بعضها من السيطرة على البعض الآخر، وفي نفس الوقت سهلت عمليات التبادل والتحاور والتأثر بين هذه الشعوب.

كل ذلك انعكس أولا وقبل كل شئ في مجريات لغة الخطاب التي أصبحت في حاجة ماسة إلى إنتاج مفردات وسياقات جديدة  كفيلة بالاستجابة لمتطورات العصر، وانعكس ثانيا في سلوك الأفراد، وأثر في أساليب وطرق  تفكيرهم، وآليات تواصلهم، ولم تسلم من ذلك، بطبيعة الحال، لغاتهم وآدابهم.

وكان نصيب الأدب العربي في ذلك كبيرا، ومتنوعا، ويتراوح بين التأثر الإيجابي، والتأثر السلبي، ولسنا هنا بصدد حصر وتعداد نماذج وصيغ التبادل، بل نرغب في معرفة وتحليل العلاقة التي تربط لغة الخطاب الأدبي بلغة الخطاب الإعلامي.

إن الخطاب الأدبي يتضمن ويعكس  في سياقاته العامة عناصر إبداعية لحركية المجتمع،  بينما يعكس الخطاب الإعلامي وقائع عن حركية المجتمع، ويومياته.

لذلك فإن تجديد لغة الخطاب الأدبي لا ينبغي لها أن تخرج عن توصيف وسرد آليات الإبداع والابتكار عبر توليد المعاني والدلالات الجديدة للمفردات والكلمات التي تشكل لغة الخطاب اليومي.

بينما يبقى تجديد لغة الخطاب الإعلامي مشروطا ببساطة الوصف، وعادية التعبير، والمحافظة على سردية الخطاب اليومي.

وانطلاقا من هذا الفهم، فإن الخطاب الأدبي لا يعكس بالضرورة صورة فوتوغرافية عن الواقع الاجتماعي،  بل يحاول أن يقدم صورة إبداعية عن ذلك الواقع، في حين يكون الخطاب الإعلامي صورة صادقة عن هذا الواقع  حتى في جانبه المزيف.

وعليه فإن الخطاب الإعلامي  يتطلب لغة تقريرية .. مباشرة،  أما الخطاب الأدبي فقوامه لغة فنية ..إيحائية.

ومن المفيد أن نذكر في هذا المجال أن الأدب يحتوي على جانب إعلامي، وعلى توجهات إعلامية، وهذا التوجه جعل الأدب يغترف من لغة  الإعلام،  البسيطة والسهلة، ويستفيد منها، ويطورها لتصبح لغة أدب، وهذا لا ينفي سقوط بعض الكتاب في ابتذالية لغة بعض الإعلاميين، حيث يتم تشويه العمل الأدبي نفسه.

هناك عنصر هام يمكن ملاحظته إذا تأملنا قليلا في مسألة اللغة عبر العلاقة بين الخطاب الأدبي والخطاب الإعلامي، يتمثل في أن مصدر ومرسل الخطاب الأدبي في أهدافه، يختلف كثيرا عن مصدر ومرسل الخطاب الإعلامي.

فالمرسل الأخير ، ليس بالضرورة أن يكون مفردا، بل هو في غالب الأحيان جماعي، حيث أنه قد يكون صادرا عن حزب،  أو عن حكومة،  أو عن أي مؤسسة أخرى، تمتلك أو لها تأثير على الهيئة الإعلامية.

ولا شك أن المؤسسة الإعلامية تخضع لمالكها، وتعبر بشكل ما عن مصالحه الخاصة، وبالتالي فإنها تكيف اللغة الإعلامية حسب مقتضيات ذلك.

أما مصدر ومرسل  الخطاب الأدبي فهو فردي، وذاتي،  إلى حد بعيد، وقد يتعرض صاحبه للضغوط  السياسية،  أو المؤسسة الناشرة، أو غيرها، لكن كل ذلك لا يؤثر بالتأكيد على صفاء لغة الكاتب.

هكذا يمكننا أن نقول أن لغة الخطاب الإعلامي هي لغة جماعة، تخاطب أفرادا وجماعات أخرى،  قصد التأثير في أفكارهم، وتعديل سلوكاتهم.

أما لغة الخطاب الأدبي، فهي لغة فرد يخاطب جماعات وأفرادا،  قصد التأثير فيهم، وتغيير سلوكاتهم عبر جماليات الأسلوب وسحر السرد، وبصفة عامة عبر ما يعرف بالتذوق الأدبي والجمالي.

وبطبيعة الحال، فإن الفروق بين الخطابين ستكون شديدة الوضوح للمتأمل، بين نص كتبه فرد ذو مواهب خاصة، ونص كتبته أو صاغته ـ عن طريق المونتاج ـ جماعة.

ولنأخذ حصار بيروت سنة 1982 مثالا لذلك، حيث نجد أن النصوص الخبرية التي تتحدث عن هذا الحصار، مهما كانت دقيقة في وصف ما عاناه وما قاساه سكان بيروت، فإنها تبقى بكل تأكيد دون مستوى القصيدة التي كتبها الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن نفس الحصار.

ومن الجدير بالملاحظة أيضا أن الخطاب الأدبي لا يعيش بمعزل عن الخطاب الإعلامي، كما أن هذا الأخير ما فتئ يستحوذ على الأدباء والكتاب، بل يؤثر، في كثير من الأحيان، في ناشئتهم سلبا، وعلى حساب الإبداع الحقيقي، وبذلك يساهم في لجم الخطاب الأدبي.

إن تطور وسائل الإعلام الحديثة، جعل الخطاب الإعلامي، يكاد يخاطب كل حواس الإنسان، في وقت واحد، وقد استفاد الخطاب الإعلامي كثيرا من هذه الخاصية، الأمر الذي ساعده على مخاطبة شرائح عديدة من الطبقات الاجتماعية المختلفة، وهذا التنوع بالذات هو الذي يستلزم التجديد المستمر للغة الخطاب الإعلامي.

من كل ما أسلفنا ذكره، نخلص إلى القول إن تجديد الخطاب العربي لا بد أن تتضافر لإنجازه لغة الخطاب الإعلامي ولغة الخطاب الأدبي، إضافة الشجاعة والمغامرة في ميادين الفكر والابتكار

من كتاب ” الخطاب الاعلامي العربي .. آفاق وتحديات”

Categories:   الأبحاث والدراسات

Comments

Sorry, comments are closed for this item.