فضاء أحمد حمدي

بعيدا عن ألبير كامو

تهدف هذه المساهمة، إلى إثراء النقاش والجدل الذي فتحته المحاولات الرامية إلى تمجيد وتكريم كاتب الأقدام السوداء ألبير كامو فوق أرض الجزائر، ضمن خطة استعمارية مدروسة لتنفيذ وتطبيق القانون الفرنسي الممجد للاستعمار، كما تهدف من جانب آخر إلى الرد على ما ادعاه السيد محمد لخضر معقال في ندوة جريدة “الخبر” بتاريخ 11 مارس 2010  حيث اتهم الموقعين على العريضة المستنكرة لقافلة كامو بأنهم متطرفون ويدعمون سياسة ساركوزي الإقصائية، وباعتباري واحدا من الموقعين، فقد رأيت أنه من واجبي تفنيد هذه الادعاءات التي تفتقد إلى أدنى الحجج، وتنزع نحو التهجم المجاني والعدوانية المفرطة، وكأن صاحبها له مآرب أخرى.


1 ـ لا شك أن قانون تمجيد الاستعمار في شمال إفريقيا الصادر عن البرلمان الفرنسي يقتضي تطبيقا من قبل السلطات التنفيذية، ونظرا لحساسيته المفرطة وتأثيره المحتمل على العلاقات بين البلدين فقد تطلب ذلك اللجوء إلى أساليب ملتوية، أسهلها وأكثرها تأثيرا الجانب الثقافي، لاعتبارات عديدة لا مجال لذكرها، وليس هناك أجدى من تضخيم الذكرى الخمسينية لرحيل كاتب الأقدام السوداء ألبير كامو، فهي مناسبة مثالية للشروع في تطبيق ذلك، وقد دشن هذه الحملة الرئيس ساركوزي نفسه حين أعلن بالمناسبة على إعادة دفنه في مقبرة العظماء Panthéon
2 ـ وفي نفس السياق قام أصحاب قافلة كامو بجس النبض لدى المثقفين الجزائريين من خلال فكرة قافلة مثقفين لا علاقة لهم بالسياسة، بينما عملهم هو صلب السياسة، ويهدف إلى تمجيد رموز الاستعمار، بيد أن الرد الجزائري على هذه المحاولات وعمليات الاستغباء كان حضاريا وواضحا ( أنظر مقالات جريدة “الخبر” وبالخصوص جريدة El Watan عدد 31ّ/12/2009 وعدد 03/02/2010 مثلا ) وكذلك عريضة المثقفين والجامعيين.
3 ـ وما دام الهدف السياسي الاستعماري واضحا، فإن الذين أخذتهم الحمية للدفاع عن كامو، في حاجة إلى بعض التوضيحات؛ فقول السيد معقال بأن كامو كان يؤمن بأن الجزائر يمكن أن تكون مخبرا لتعايش الشعوب، أمر مستهجن من شخص يدعي الثقافة والجزائرية، وكأن الجزائر بلا شعب عريق قدم أروع الأمثلة في الدفاع عن حريته وهويته عبر مختلف العصور، إن مرجع هذه الفكرة هو موريس طوريز الأمين العام للحزب الشيوعي الجزائري في الثلاثينات، حين ادعى بأن الأمة الجزائرية في طور التكوين، وقد كان كامو عضوا في هذا الحزب. وما يثير الاندهاش أيضا مقارنة تطور كامو بتطور فرحات عباس حيال القضية الجزائرية، والواقع أن العكس هو الصحيح، إذ تدرج فرحات عباس من فكرة البحث عن الأمة الجزائرية إلى الجهاد من أجل هذه الأمة، تدرج كامو من تصوير بؤس “الأهالي” في بلاد القبائل إلى الرضوخ إلى مشيئة متطرفي الأقدام السوداء بعد تهديدهم له عقب محاضرته التي يكرر فيها فكرة المخبر سنة 1956 حيث تحول إلى أحد رموزهم المؤثرة خاصة بعد منحه جائزة نوبل التي لا يستحقها حسب تصريحه  أمام الأكاديمية السويدية، ليس تواضعا بل لأن بعض الكتاب، وعلى رأسهم الفيلسوف الوجودي الكبير جان بول سارتر الذي لم يتردد في مناصرة الثورة الجزائرية، قد اكتشفوا سرقته لرواية “الغريب” من الكاتب النمساوي ستيفان زويغ Stefan Zweig (انظر ليلى بن منصور، El Watan عدد 23 و24 أفريل 2006 وكذلك بلعيد عبان، El Watan عدد 31/12/2009 )
3 ـ لقد ادعى السيد معقال أن اختيار أصحاب القافلة لكامو وليس لسيناك أو روبليس لأنهم يعتقدون أن كامو ابن الجزائر، وكأن المجاهد الشاعر جان سيناك ليس ابن الجزائر، والحقيقة أن كامو ابن جزائر الأقدام السوداء المتطرفين، بينما سيناك ابن الثورة الجزائرية الذي شارك  في المطبعة السرية “للمجاهد” بفرنسا، وهو الذي إلى ساهم إلى جانب فرانسيس جانسن في تجنيد التقدميين والديمقراطيين الفرنسيين وتحسيسهم بعدالة القضية الجزائرية، بل ولم يتوان عن الاتصال بكامو وعقد لقاءات له مع مسئولين في فيدرالية جبهة التحرير الوطني بفرنسا من بينهم رضا مالك  وأحمد طالب والعياشي ياكر، وعندما تأكد من كولونيالية كامو، كتب له رسالة القطيعة المشهورة .
4 ـ هناك بعض الكتاب الجزائريين من صار ينزع نحو عزل العمل الإبداعي عن الفعل الاجتماعي، وكأنهم بذلك يؤكدون نظرية الفن للفن البائدة منذ أكثر من قرن، ويبدو أن تلميع كامو لن يتم إلا عبر هذه النظرية التي تنفي المسئولية الاجتماعية، بينما تثبت كل الدراسات عكس ذلك، إن كامو جزء أساسي من المنظومة الكولونيالية وهو عراب خطابها الثقافي ، ولسنا في حاجة إلى التذكير بأنه بدل أن ينصح أمه إلى اتخاذ سبيل الحق، ناصرها على حساب العدالة.
5 ـ لم تكن الجزائر إلا ديكورا جميلا في أعمال كامو تعلوه في بعض الأحيان الجرذان كما في “الطاعون” أو الذباب في “الغريب”، وبما أن المجال لا يتسع في هذا المقال فلنا عودة.

Categories:   أفكار و كلمات

Comments