مقدمة ديوان أحسن كافي

ينتمي هذا العمل الأدبي إلى أدب ثورة التحرير الوطني، من عدة جوانب، فقد كتب جله إبان تلك المرحلة الهامة من تاريخنا، فهو إذن وثيقة تاريخية، وقد كتب أغلبه في غياهب السجون والمعتقلات الاستعمارية، فهو إذن من أدب السجون والمعتقلات، ويتضمن محتواه دعوة للثورة على الواقع الاستعماري، والذب عن حياض الوطن، فهو إذن أدب ثوري، لكل ذلك فإن قراءة هذا العمل ينبغي أن تكون قراءة خاصة، تضع أمامها هذه المعطيات، إضافة إلى معطيات السياق التاريخي الاستعماري الذي لم يتوان في وضع كل الحواجز والموانع للقضاء على اللغة العربية وآدابها، وبالتالي العمل على محو ومسخ الشخصية الوطنية.

التعريف بالمؤلف

ولد أحسن بن بلقاسم كافي يوم 14 جويلية سنة 1929 بدوار امسونة ـ بلدية الحروش بولاية سكيكدة، في أسرة عريقة تعيش على الفلاحة، وكانت في صراع دائم مع جحافل الكولون الذين استولوا على كل السهول والأراضي الخصبة التي تشتهر بها منطقة الحروش، وراحوا يضايقون السكان بمختلف وسائل الترهيب والترغيب، لكن آل كافي لم يجدوا لأراضيهم بديلا.
في هذا الوسط المقاوم والثوري ترعرع الصبي أحسن الذي حرص والداه، ككل أبناء جيله، على تعليمه القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية، وقد تم ذلك، بالنسبة للصبي أحسن، في جو عائلي، حيث كانت أسرة آل كافي في هذه القرية، ترعى التعليم القرآني الأمر الذي جعلها مقصد العديد من الطلبة، وبعد حفظه القرآن الكريم، انتقل الصبي أحسن إلى مدينة الحروش، ليدخل إلى المدرسة الفرنسية، حيث يتحصل على مستوى الشهادة الابتدائية، بيد أن سلطات الاستعمار الفرنسي التي آلت على نفسها تطبيق سياسة التجهيل، منذ بداية الاحتلال وأسبغت عليها ترسانة من القوانين الجائرة والرادعة، وازدادت ضراوة منذ منتصف القرن التاسع عشر، إذ لم يعد بإمكان السكان الأهالي تجاوز مرحلة التعليم الابتدائي، بل وجعلت أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان الجزائري هو أن يكون مترجما في البيرو آراب Bureau-Arabe ، ولا شك أن هذه السياسة كانت بالمرصاد لأن تحرم وتحول دون طموحات مثل هذا الصبي في أن يتخطى مستوى الشهادة الابتدائية.
لكن، وكما هو معروف، دأب السكان على المقاومة بمختلف أشكالها ومستوياتها، مثل المقاومات المسلحة، والمقاومات السياسية والمقاومات الثقافية، وضمن احتدام هذه الأخيرة، قام الجزائريون بتأسيس المدارس الحرة، هذه المدارس التي حافظت على اللغة والثقافة العربية في البلاد، حيث انتشرت في مختلف أنحاء الوطن، وكانت الملجأ الأمين للشباب الجزائري، ومن ضمن هذه المدارس كانت مدرسة “الإصلاح” الحرة بالحروش التي انتمى إليها الشاب أحسن ليغترف فيها مبادئ اللغة العربية لتؤهله للالتحاق بمعهد “الكتانية” بمدينة قسنطينة في أكتوبر سنة 1946 حيث تابع دراسته إلى غاية سنة 1949، وقد سبقه إلى ذلك ابن عمه الرئيس علي كافي الذي كان في هذه الأثناء من المسئولين رفقة الشهيد حيحي المكي على تأطير الطلبة بهذا المعهد، ومن طلبة هذا المعهد في نفس الفترة الرئيس الراحل هواري بومدين.
في هذه الأثناء، ونظرا لترعرعه في أسرة وطنية ومعادية للاستعمار، فقد انضم إلى حزب “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” تحت مسؤولية الرئيس علي كافي، والمعروف أن هذه الحركة هي سليلة “حزب الشعب الجزائري” العتيد الذي منعته السلطات الاستعمارية منذ بداية الحرب العالمية الثانية لكنه ظل ينشط سريا.
وفي صفوف هذا الحزب يتعمق المناضل أحسن في معرفة تاريخ الجزائر حيث راح يلتهم كل ما تقع عليه يداه من كتب تاريخية سواء باللغة العربية أو الفرنسية مع حذره الشديد من هذه الأخيرة.
والمعروف أن حزب “حركة انتصار الحريات الديمقراطية” قد أسس عددا من المدارس الحرة، أوكل أمر تسييرها والتعليم فيها إلى مناضلي الحزب من المثقفين بالدرجة الأولى، وبهذه الصفة أصبح أحسن كافي معلما مجتهدا، ومدرسا مواظبا على متابعة تلاميذه، وظل على هذا المنوال إلى أن ألقي عليه القبض من قبل السلطات الاستعمارية يوم 24 ماي سنة 1955 بدوار امسونة.
وفي حياة السجون عرف العديد من أصناف القمع والتعذيب، كما تنقل بين الكثير من المعتقلات والمحتشدات إلى غاية يوم 29 مارس سنة 1962 تاريخ الإفراج عنه في ظل وقف إطلاق النار، وفي نوفمبر 1962 عين معلما بالمدارس الرسمية ثم مديرا سنة 1981 ليحال على المعاش سنة 1982 ليلتحق بالرفيق الأعلى يوم 14 جويلية سنة 2004 ومن غريب الصدف أن يكون يوم ميلاده هو يوم وفاته، تغمده الله برحمته الواسعة.
ولا يفوتني هنا أن أذكر تلك الصورة المعبرة والصادقة عن أحواله وأوضاعه، والتي لخصها في أبيات قليلة، ولكنها شاملة، بل تصلح لأن تكون صورة دقيقة عن حياة المناضل الجزائري في ذلك الوقت:
يخبر الرسم عن حقيقة حالي
هرم باكر، ورقـة حـال
قد طويت من الحياة ثلاثا
وسبعين من السنين خوالي
فغضون على المحيا شهود
كـل خلق معرض لزوال
ونذير مشمر الثوب ساع
يطويني إلى محـط رحالي
يا إلهي استجب دعاء منيب
تائب مؤمن، على كل حال

نزيل المعتقلات

من ذلك التاريخ المشئوم، تاريخ اعتقاله سنة 1955، ظل أحسن كافي يزج به من سجن إلى زنزانة، ومن محتشد إلى معتقل، حتى سمي بنزيل السجون والمعتقلات، وقد دون هذه التجربة المريرة في كتابه “نزيل المعتقلات 1955ـ1962″
يعتبر هذا الكتاب من الكتب القليلة التي وثقت لحياة المساجين أثناء الثورة، كما أنه قدم عرضا وافيا لمختلف المراحل والفترات التي مر بها متبعا في ذلك منهجا واضحا، ففي البداية يقدم تعريفا بالموقع الجغرافي للمعتقل مشيرا إلى مناخه وطقسه، وعادة ما تكون حارة جدا صيفا، وباردة بردا قارصا شتاء، ثم يعرج على السكنات أو المراقد، وعادة ما تكون خياما أو اسطبلات كبيرة، ثم يتناول التغذية والطعام، حيث لا يعدو أن يكون ماء ساخنا ممزوجا بحبات الفلفل، أما الحياة اليومية فهي سلسلة من الإرهاب والتعذيب، إضافة إلى أعمال السخرة والإكراهات كتحية العلم الفرنسي وغيرها.
يستعرض في متن هذا الكتاب، صغير الحجم، عظيم الفائدة، ستة معتقلات هي:
– معتقل شلال
– معتقل الجرف
– معتقل بطيوة
– معتقل بوسوي
– معتقل سيدي الشامي
– معتقل تيفيشون
ويعلق صاحب الكتاب، باختصار شديد لكنه معبر عن هذه المعتقلات ونزلائها الجزائريين قائلا:
( إن فكرة اعتقال الجزائريين جزء من مخطط كبير وعريض، ذلك أنه صمم أن يحتوي الثورة قبل أن يتسع الخرق على الراقع، ولما لم يكن بالإمكان أن يجمع الشعب الجزائري في صعيد واحد.. ولما لم يسعه أن يزدرده في لقمة واحدة، جزأه إلى كسر وقطع، فجمع قسما في المعتقلات، وسماها مراكز التجمع.
وزج بقسم في السجون وسماها إصلاحيات، وحشد قسما في المعتقلات ودعاها مراكز الإيواء، وحاصر قسما في مكان إقامته بالمدينة أو القرية أو الدشرة وخلع عليها مراكز الأمن).
أما نزلاء هذه الأصناف من السجون، فينتمون إلى كل طبقات المجتمع الجزائري، ويكفي أن تتوفر فيه أحد الأوصاف التالية:
– الانتماء إلي أي حركة أو هيئة وطنية
– الانتساب إلى الثقافة العربية بما فيها حفظ أو تحفيظ القرآن الكريم.
– حمل أي ثقافة عالية بأية لغة.
– البداوة، يكفي أن تكون من سكان البادية لتتعرض للاعتقال.
– الشباب بما أنه مورد قوة ومصدر طاقة يمكن للثورة استغلالها والاستفادة منها، فكون المواطن شابا مبرر كاف للاعتقال.

ديوان الخواطر السانحة
ظل أحسن كافي ينظم الأبيات والمقطوعات الشعرية بين الفينة والأخرى، في أوقات متقطعة، وبمناسبات مختلفة، ليسجل خلالها مواقفه وآراءه، كما يعبر عن مشاعره، وفقا لرؤيته التقليدية للشعر، والتي صاغها على منوال أحمد شوقي:

الشعر خاطره بالذهن ماثله
جلى محاسنها وزن وإيقاع
فقد ترك، فإسفاف وعائرة
وقد ترق، فإعجاب وإبداع

ويؤكد هذه الفكرة نثرا في المقدمة التي كتبها بنفسه لهذا الديوان (الخواطر السانحة) حين يكتب :
” تطغى على الإنسان خلال حياته أفكار وخواطر، فتسيطر على مسار تفكيره، وتهيمن على زمام مشاعره، وتأخذ عليه مجرى أحاسيسه فلا يملك معها إلا أن ينفثها كالمصدور، فتبرز نغما شجيا مطربا، أو لوحة فنية رائعة، أو صيحة مدوية مجلجلة، أو مقالا مثيرا محركا، أو قصة شيقة ممتعة، أو قصيدة رنانة عصماء.”
ذلك منظور الشيخ أحسن كافي للشعر، وينعكس ذلك بشكل واضح على صفحات الديوان الذي يتضمن حسب إحصاء الشاعر:
25 قصيدة في الوطنيات
18 قصيدة في الاجتماعيات
15 قصيدة في الحكميات
15 قصيدة في المتفرقات
10 قصائد في الملحقات
لكننا أضفنا إلى ذلك قصيدتين نشرتا في كتابه “نزيل المعتقلات” وهما (معتقل الجرف) و(معتقل بطيوة)، وقد جاء في الأولى:
واعتصمنا بحبلــه
فاستوى الأمر واستقر
واصطبرنا على البلا
فاعتلى الحق وانتصر
إنما الفـوز للهـدى
سنـه الله في البشـر
ومما جاء في القصيدة الثانية التي يصف فيها إضرابا عن الطعام، وحسب علمي فهي من المقطوعات النادرة في الشعر العربي التي تتعرض لهذا النوع من النضال، ومن قبل ممارس له:
فخيم صمت رهيب على
مخيمنا، والنشاط انعـدم
لجأنا إلى الجوع، نعم الحمى
وللجوع وخز، شديد الألم
وللجوع إن طال في قصبنا
تقاطيع تزري بحز الجلم
طوينا على الجوع أمعاءنا
ولم نأت من مكرهم ما يذم
إن هذا الديوان الصغير ينبغي لقارئه أن يتناوله بمنظار مختلف منظار معاناة صاحبه، وظروف كتابته، وبصفة خاصة، عليه أن يتناوله من حيث المضامين والمواضيع المبتكرة، والتي قلما نجد لها شبيها في أدبنا وكتاباتنا، وفي نفس الوقت على القارئ ألا يغفل ما حل بالثقافة العربية من جمود وتقهقر في هذه البلاد بفعل القوانين الاستعمارية الجائرة، ومن هنا فإن بقاء الحرف العربي صامدا هو أحد معجزات الجزائر.
الجزائر العاصمة 25 أكتوبر 2007

شارك بتعليقك