مجموعة “قائمة المغضوب عليهم”

كائنات الشاعر الجزائري أحمد حمدي

بقلم أحمد دوغان
لم تحترق بعد أوراق الشاعر العربي الجزائري أحمد حمدي بعد أن جاءت مجموعته الشعرية الأولى “انفجارات” على جزء من الزمن الشعري في الأدب الجزائري المعاصر الذي أخذ يوازن في معادلته بين القديم والجديد، وبين الجديد والحداثة، كما يوازن بين ذاته وبين الذات العربية… ذلك واقع يتجلى في السبعينات الأدبية في الجزائر.
ولم تقف رحلة العمل اليومي في مجلة “المجاهد” الأسبوعية حاجزا من معايشة الذات الشاعرة عند “حمدي” وإنما استطاع أن يرسم مناخات تمثل تميزه في مجموعته ” قائمة المغضوب عليهم” الصادرة عن الشركة الوطنية للنشر والتوزيع بالجزائر، وهي تقع في مئة وعشر صفحات تضم في ثناياها إحدى وعشرين قصيدة جاءت على إيقاعات عدة بينها شعر التفعيلة الواحدة في القصيدة كلها حينا، وحينا يأتي التواتر العروضي على تفعيلتين في ذات القصيدة الواحدة مثلما حدث في قصيدته ” أغنية للوطن والغضب” ومن قصائده ما جاء في أكثر من شكل داخل النص الواحد كما فعل في ” موجز للأخبار في حجم المسألة” القصيدة التي تراوح بين “التفعيلة” وتركيب الشعر الحديث، وشعر الشطرين، أما قصيدته “أبعاد” فهي توازن بين الشكل الحديث والشطرين، والمثل الشعبي. وهذه التشكيلات ـ عايشت ـ في تكوين فني ـ غالبا التدوير منذ النص الأول إلى آخر مقطع في مجموعته الشعرية.
ورحلة الحرف عند “حمدي” مشحونة باللغة الميسورة ـ أي بالواقع اليومي:
مالح صوتك في هذي الأغاني
كالح وجهك في هذي الصور
.. ولماذا تختفي الآن وتذوي
قمرا بين الحفر.؟
ومعاناة الصورة عند “أحمد حمدي”  جزء من شخصيته الشعرية وليست من باب الجري وراء الأخذ والعطاء وإنما شاركت في تقديم التجربة الشعورية برؤية معاصرة، فهذا فلاح يسميه الشاعر “الأخضر” تفاؤلا بالأرض الخضراء، ولما سقط الأخضر ظل متمسكا بالتراب:
هذا ذراعي
أنا الموسم الغض
يا زمن الموت
ول
أنا حقل قمح
ومدفأة
وخرائط حزن
وفاتورة الخطوات الجريئة..
وسافر
لكنها الأرض باقية
والرفاق يغنون..
الشاعر هنا يأتي على ألفاظ نابعة  من معاناة الفلاح وعلاقته بالأرض وهذه الألفاظ استطاعت أن تعمق الحدث، فأعطتنا لوحة فنية.
وتمتد معاناة الشاعر، لتجسد رؤياه، فتشمل همومه ـ هموم واقعه ـ بدءا من الذات الصغيرة التي تكبر، فتكبر لتصبح الإنسان:
يثقلني يا أطفال العالم
صمت الغاب
وحزن الأغراب
وبلادي تسكن في قلبي
لا أقول أنه يذكرنا “بالشابي” فالشابي لجأ إلى الطبيعة  ليعالج الألم الذي يكابده، وإنما الشاعر “حمدي” يقارن بين الطبيعة ـ الوطن ـ والحزن الذي لا يورثه هذا الوطن وقد كان مفروضا عليه، وهذا ما يدفعه إلى الرفض بأي صورة كانت، حتى ولو أدى إلى التقاط الكلمة من الفم وتحويلها إلى ـ كتابة ـ عندها تملك جواز مرور القارئ:
آه من زمن منعت فيه
حتى المراثي
اعطني دفتري ودواتي
لأجتاز هذي الموانع.
هذا بعد من ولادات القهر والغضب، وإلا لماذا كانت أكثر عناء قصائده تمدنا برائحة الغضب والثورة والتمرد دون اللجوء إلى الصمت السياسي.
ومما جاء في الفهرس هذه العناوين: ” موجز للأخبار في حجم المسألة” ” توضيح عن منشور غزلي” ” ديك الجن في المنفى” ” أغنية للوطن والغضب” ” أقاليم المنافي والغربة” “قائمة المغضوب عليهم” ” تفاسير عن الثورة العربية” كل ذلك ليس دليل اتهام إنما توضيح لما يكابده :
علمتني مآسيكم
موقفي
ثورتي
أن هذا الزمان عجوز
وهو لا يهرب ـ كما قلت سابقا ـ من واقعه، بل لأنه يعتبر تلك الغربة، أو ذاك المنفى قدرا، وعليه أن يتعمق في فهمه حتى يفك رموزه.
جريدة ” البعث” عدد 6411 بتاريخ 28/02/1984

شارك بتعليقك