فضاء أحمد حمدي

احمد حمدي:صوت المقاومة الجزائرية بعد الاستقلال

د.حسن فتح الباب


يعد الشاعر احمد حمدي في طليعة شعراء السبعينات الجزائريين الذين لا يزالون يواصلون مغامرتهم الإبداعية. حيث أصدر ديوان (انفجارات/1977) و(قائمة المغضوب عليهم/1980) و(تحرير ما لا يحرر/1985) و(اشهد أنني رأيت/ 2000) ثم مجلد (الأعمال الشعرية 1965 ـ 2005 ) 2007. وهو صوت مميز في سعيه إلى تجديد أدواته حتى أصبح منافسا لكبار الشعراء العرب
ولا سيما شعراء المقاومة الذين يصوغون رؤاهم في قالب شعر التفعيلة. ويتخذون من فن العربية الأول درعا يصد عن أمتهم ما يحيق بها من مؤامرات. ويتميز شعر احمد حمدي برهافة الحس وخصب المخيلة والقدرة على توظيف التقنيات الحديثة واستيحاء الأساطير والرموز التاريخية وإسقاطها على الواقع، ولا تقع قصائده ذات المضمون السياسي والثوري في آفة المباشرة والتقريرية. كما لا تقع في آفة التعقيد والإبهام, وهو يستعمل أسلوب الرمز والتضمين والارتداد إلى الخلف. ومن ثم خصصناه بهذه الدراسة التي نركز فيها على ديوان (قائمة المغضوب عليهم) لتمثيله أهم خصائص الشاعر من حيث الموضوعات والمضامين والأشكال الفنية.
لم يختر الشاعر احمد حمدي هذا العنوان للديوان الذي أصدره في عام 1980 للإثارة بقدر ما تعمده للإيحاء بتعميقه الخط الثوري في شعره بعد إن كان ديوانه الأول (انفجارات) إرهاصا بهذا الاتجاه، ويكفي إن نلقي نظرة على عناوين القصائد الإحدى والعشرين كي نتبين إن عزفه على الوترين القومي والوطني أصبح أكثر عمقا وحرارة، في حين خفت اللحن الفردي الرومانسي في قيثارته، واقترب شدوه من الحوار مع الآخرين والتطلع إلى الأفق الإنساني، حيث تتلاشى حتى تنعدم أحيانا النظرة الأحادية أو التجزيئية إلى الأحياء والأحداث والأشياء، ويصبح العالم على اتساع أبعاده وحدة واحدة، فتقترن الثورة العربية بحركات التحرر والتقدم في العالم الثالث، ويصبح الوطن هو العالم، الكل في واحد والواحد في الكل، فالهموم التي تشغل الشاعر الجزائري هي التي تخامر كل شعراء الحرية والمقاومة في الوطن العربي؛ ولئن كانت تردادا لصوتهم في المشرق عندما كتب احمد حمدي كثيرا من قصائد(انفجارات) فإنها في ديوانه الثاني قد غدت صوته الخاص بعد إن استوعب تلك الهموم وجدانا وفكرا، ولا غرابة بعد هذا أن يحمل حمدي عبء القضية الديمقراطية بنفس الدرجة من الأهمية والحدة التي نجدها عند الشعراء الطليعيين في البلدان العربية الأخرى، في حين أنها لا تحتل هذه الصدارة في الجزائر، بل ثمة قضايا أخرى تتقدمها أو تتعادل معها، فالجزائر ـ في ظل الاستقرارـ لا (تصفي) أو تعتقل المثقفين الذين قد يعارضون نهج السلطة، ولا تحاربهم في حرياتهم وأرزاقهم كما تفعل بعض النظم الأخرى. وهكذا نرى الشاعر في معظم قصائده مركزا على استبشاع القمع والقهر المسلطين على الشعب العربي بجماهيره العريضة المسحوقة تحت وطأة التنكيل، والسجن في معتقلات النفي والمهانة والإذلال. إن قضايا التحرر والتنمية والاستلاب الفكري والثقافي تتوارى تحت ضغط الحاجة إلى الدفاع عن الحقوق والحريات العامة للإنسان العربي؛ لأنه لا حل لهذه القضايا إلا عن طريق إطلاق المجال لكي يمارس هذا الإنسان ـ فردا وجماعة ـ حقه في التعبير والتفكير وتنمية ملكاته الخلاقة، فلا يتحول إلى أداة صماء عمياء في يد السلطة القاهرة، تضرب الحرية والتقدم باسمه، بل تنتهك الحريات وتسفك الدم البريء تحت قناعه. ومن الطبيعي إن يتفجر شعر احمد حمدي وهو يستقي رؤاه من مأساة القهر،  حزنا وتشاؤما وغضبا وتحديا، وهي الأبعاد التي تشكلها مواجهة الأزمة في وجدان الشعراء العرب. وتعد قصيدته التي يحمل الديوان عنوانها وهي( قائمة المغضوب عليهم) مثالا نموذجيا لهذه الرؤيا:
ادخل صخب الشارع
تمتد ضلوعي باحثة
عن جسدي الضائع
في بئر الصمت
أتحسس راسي المتأرجح
في قائمة المغضوب عليهم
معروقا يتدلى كثدي عجوز.
وتمتد الرؤيا وتتعمق حتى تشمل مأساة الإنسان في العالم كله، ولا يسقط الشاعر في مهاوي النزعة الوطنية أو القومية الضيقة: لأنه يدرك وحدة النضال بين المستضعفين والمضطهدين في العالم،  فالرصاصة التي تردي المناضل الثوري أو الفلاح أو العامل البسيط المغمور في أحراش جنوب إفريقيا أو في المناجم والمصانع والشوارع في تشيلي أو السلفادور، هي نفسها التي يوجهها عملاء الاستعمار القديم والجديد إلى قلب الأمة العربية في غزة والضفة الغربية أو في بيروت الغربية أو في جنوب لبنان. وقد كتبت هذه القصيدة منذ خمسة وعشرين عاما، ومن ثم استخدمت الرموز التي شاعت في الشعر العربي الجديد في الستينات امتدادا للفترة الأخيرة من الخمسينات, حيث أسقطت كثير من الأنظمة الوطنية والتقدمية بفعل الثورة المضادة، ونصبت الامبريالية حكومات عسكرية ديكتاتورية دموية أو نظما عميلة مقنعة ما زال بعضها يحكم حتى في أوربا.
وكانت فيتنام تقاوم بالدم الغزير عابرة الى النصر فوق جسور من عظام موتاها وجماجمهم حين كتب الشاعر قصيدته:
أتحسس راسي                                                                                                                      المح شرطة عصر الموت وقوفا                                                                                                    في ساحات أثينا واسطنبول                                                                                                          وجه إنجيلا الحر                                                                                                                     في أقبية الموت اصفر
وتنتهي هذه القصيدة الصرخة بنداء رعدي يتشبث به الشاعر كوميض من أمل يؤمن بحتمية الانتصار على قوى الظلام التي عبر عن وحشيتها في مقطعه المتكرر الذي استعاره من الشاعر صلاح عبد الصبور(أتحسس راسي) بعد ان يمهد له ببشارات المخاض والميلاد ثم الثورة كنقائض ثلاث تولد من رحم القهر والموت والخراب:
اذكر قائمة المحظورات
في عصر الموت:
الحب…الميلاد…الكتب
الأرض…الشعر… الثورة
يا شرطة هذا العصر
انه أزمة زماننا العربي الرديء متمثلة في غياب الديمقراطية وانسدال الظلام على الوطن الكبير الذي أنجب قادة للحرية وهداة للإنسانية وروادا للعلم والتقدم في بعض عصوره، فهؤلاء الحكام المتنمرون على شعوبهم الفقيرة المحرومة، في حين يخفضون جناح الذل والضعة للغزاة، هم عار على هذا الزمان، زمان الموت والقهر كما يصفه الشاعر مرة أخرى في قصيدته (الأخضر في تعليق واحد):
آه من زمن منعت فيه حتى المراثي
اعطني دفتري…ودواتي
لاجتاز كل الموانع
وينتقل الشاعر من الأخضر إلى المهدي بن بركة شهيد الحرية والديمقراطية العظيم. ذلك المناضل الذي اغتاله غدرا أجراء الفاشية والامبريالية في قلب الغرب الليبرالي الذي يتشدق بالحريات والحقوق الإنسانية، فهزت نهايته الفاجعة ضمير الأحرار والشرفاء في العالم كله. وما يزال دمه يصرخ ملطخا جبين إنسان العصر حتى يقتص له من السفاحين الجناة الجبناء، مثلما تصرخ دماء شهداء كربلاء في العراق، وشهداء دير ياسين وكفر قاسم في فلسطين، ودماء جيفارا والليندي في أمريكا اللاتينية.
كما يرمز الشاعر بالمهدي بن بركة ورفاقه الذين قتلوا في سبيل الديمقراطية الشعبية وتحولوا إلى وقود للثورة للدلالة على استمرار الصراع وغلبة العنصر النامي على العنصر المتخلف في المجتمع.
وحدثني ان نجما غريبا يداهمني
يرتدي شجر الغاب..
يأتي اذا سقط الليل؛
والليل يسقط.
ها ..طلع الراقدون
فلا تحزنوا أيها السامعون
والتجويع هو الوجه الآخر القبيح للأنظمة المعادية للشعوب، فمن القهر إلى الفاقة، ومن الفاقة إلى الاضطهاد، وتبقى الحلقة مفرغة، وهكذا تقترن الثورة على الظلم والثورة على الجوع في القصيدة الأخيرة (عبور نحو بوابة الخروج)، ولعلها أجمل قصائد الديوان وان لم تخل من عثرات، وإذا كانت معظم القصائد التي اشرنا إليها تدين القمع الذي تمارسه النظم الدكتاتورية عامة، فان هذه القصيدة تعبر عن مأساة الإنسان العربي:
صوتها كان يمتد جسرا
من الحزن بين العراق وفاس التي
عشقت عريها في سنين الهزيمة
كانت حزينة
منذ اطفات النار هذي البيوت التي
لم تعد تتذكر طعم الرغيف.
ثار في البصرة الفقراء
أشعلوا النار في واجهات الحوانيت
أحرقت النار وهران والقدس
ومثلما يغني شاعرنا ألحانه الحزينة الغاضبة لفلسطين وبيروت مطوفا بين المدن العربية القديمة من بغداد إلى فاس, ومن القصبة ووهران إلى دمشق، مستندا إلى رمز الأندلس لبكاء الشعب العربي تحت سنابك الغزاة والمستبدين، يغني لإفريقيا الثائرة كما غنى لفيتنام وللشعوب في تركيا واليونان وأمريكا اللاتينية.
وتبقى الثورة العربية المحاصرة شغله الشاغل، فتستأثر بالكثير من قصائده امتدادا لديوانه الأول، في حين تنحسر موجة شعره في الجزائر الوطن بعد المد الذي شهدناه في (انفجارات).
وحين نسمعه في (أغنية للوطن والغضب) نتبين انه يعني بالوطن الأمة العربية، فيذكر الفرسان وعنترة العبسي وليل الفقراء، ويعبر عن حبه وانتصاره للثورة بهذا المقطع الجميل الذي يتضمن العلاقة الجدلية بين الوطن وبين الشاعر:
يا وطني المحفور على جدران القلب
زدني غضبا
ازدد حبا
ولا شك إن طبيعة المرحلة التي كتبت خلالها القصائد هي التي أملت على الشاعر موضوعها ومضمونها (1970 ـ 1976)، فلم يعد يكتب عن الثورة الزراعية التي استوحاها قصيدتين في الديوان الأول (قصائد إلى الفلاح) و( تحولات في خريطة الحقل) بعد إن سحبت منها الأضواء تلك الظلمات المتراكمة على أفق الأمة العربية والصراع الحاد الذي يقوده الوطنيون والتقدميون الشرفاء ضد أدوات الاستعمار الجديد ومخالبه.
أسلوب التضمين
ومن ثم يبدو الحس الفردي الذي عرفناه في (انفجارات) اقل حدة في (قائمة المغضوب عليهم) إذ تصدر كثير من قصائد الديوان الجديد عن حس جمعي، وتبقى آثار للذاتية تعبر عن نفسها في معاناة الغربة والإحساس بالنفي، وان كانت هذه المشاعر انعكاسا لوطأة القهر والاضطهاد الذي تمارسه الأنظمة. وهكذا يمتزج الخاص والعام، وتأخذ هموم الشعوب شكل الهموم الذاتية، أو يخلع الشاعر آلامه على آلام الجماهير.
ويبدو الشاعر احمد حمدي في ديوانه هذا ارسخ قدما وأكمل أدوات على طريق التطور الفني، فهو ينتقل من الوصف إلى التركيب، ومن الصورة المسطحة إلى الصورة المعمقة المكثفة، أو هو يستبدل العمق بالأفق المستعرض. وهو يتقدم شوطا آخر ـ من خلال الخبرة الفنية ـ من حيث توظيف التراث الشعبي بما يتضمنه من أساطير وأشعار عامية في التعبير عن هموم وعذابات إنسان العصر، وذلك إلى جانب توظيفه للتراث التاريخي والشعري، ويتطلع إلى إثراء رؤاه وتجاربه وتعميقها بالرموز المستمدة من الأدب الانساني.
مجلة ” الرافد ” الشارقة
عدد 141 مايو 2009

Categories:   أفكار و كلمات

Comments