عالم سعد الله الشعري

نص الورقة البحثية التي ساهمت بها في الوقفة التأبينية المقامة بدار الثقافة بالوادي بمناسبة أربعينية أستاذنا الدكتور ابو القاسم سعد الله بعنوان “عالم سعد الله الشعري”.
يكتسي الحديث عن شخصية الأستاذ الدكتور أبي القاسم سعد الله صعوبة بالغة، بالنظر الى مواهبه المتعددة في مجالات الفكر و الأدب ، وتبحره العميق في مختلف العلوم الاجتماعية والتربوية، وصرامة منهجه في البحث العلمي، فهو من المؤرخين الجزائريين الذين اكتسبت أعمالهم رصيدا كبيرا من الجدية والمصداقية  وأضحت مرجعا لا غنى عنه لأي باحث في تاريخ الحركات الوطنية الجزائرية وتاريخ الجزائر الثقافي وقد اكتسب بذلك لقب شيخ المؤرخين  بكل جدارة واستحقاق، وهو كذلك شخصية بارزة في عالم الأدب والثقافة والفكر ذات إشعاع باهر يعم ليس الساحة الجزائرية فحسب بل وكذلك الساحة العربية والعالمية،إذ إنه من الأقلام الجزائرية النادرة التي ظهرت في فترة مبكرة من الخمسينيات على صفحات الجرائد والمجلات ودور النشر العربية والعالمية للتعريف بشخصية الجزائر وقضيتها العادلة.
لكل ذلك أشرت بان الحديث عن عالم سعد الله تصعب الإحاطة والإلمام به، ولذلك ارتأيت في هذه الورقةالموجزة  ان أتطرق الى عالم واحد من عوالم سعد الله المتعددة، الا وهو عالم سعد الله الشعري.
ويتطلب ذلك، حسب منهج سعد الله العلمي، ان نقوم بتحديد مفاهيمه ورؤاه للشعر، ثم محاولة إبراز  ذلك من خلال نصوصه وقصائده المنشورة في ديوانه الاول الموسوم بعنوان( النصر للجزائر ) الصادر عن دار الفكر بالقاهرة سنة 1957وهو اول ديوان مستقل ينشر لشاعر جزائري في التاريخ، وقد كتب مقدمته الشيخ احمد توفيق المدني.
ويجدر بنا ان نذكر أنه بعد عشر سنوات من ذلك اي سنة  1967 قد صدر  لسعد الله عن دار الآداب ببيروت  ديوان ثان بعنوان  (ثائر وحب ) وهو تنقيح ونشر لما لم يصدر في ديوانه الاول ( النصر للجزائر) ثم ديوانه الثالث ( الزمن الأخضر… ديوان سعد الله ) الصادر سنة 1985 عن المؤسسة الوطنية للكتاب بالجزائر ، وهو يشبه الاعمال الشعرية الكاملة.
ولا بد من الاشارة الى ان سعد الله قد بادر الى تحديد مفاهيمه وتوضيح رؤاه للشعر في ثنايا وطيات بحوثه ودراساته التي تتناول الأدب الجزائري مثل بحثه القيم  حول (محمد العيد ال خليفة… شاعر الجزائر ) وكذلك كتابه ( دراسات في الادب الجزائري الحديث) لكننا في هذه الورقة سنركز على مقدمة الطبعة الثانية لديوانه الاول ، وقد كتبها سعد الله سنة 1983، وهو في كامل نضجه الفكري وقمة عطائه المعرفي،  وكذلك سنعتمد على مقدمة خاتمة أعماله الشعرية اي مجموعة ( الزمن الأخضر.. ديوان سعد الله) الصادر عن المؤسسة الوطنية للكتاب سنة 1985 بالجزائر .
وسعد الله ككل العلماء والباحثين الجادين تجده حريصا على تحديد وتعريف مصطلحاته قبل ان يخوض في غمار البحث وتحليل المعطيات والتفاصيل، وهو عندما يتصدى لشرح مفهومه للشعر يفرق بين الشعر الخطابي العابر مثل الكلام اليومي الذي يؤدي وظيفته الاتصالية التي تنتهي في حينه، ثم تتبخر مع الزمن، والشعر الحي الخالد الذي لا يزول بأداء وظيفته الآنية بل تسري تلك الوظيفة الاتصالية في اعماق الزمن وتخاطب الأجيال اللاحقة بنفس الروح والحيوية والتحريض يقول سعد الله في مقدمة الطبعة الثانية من ديوانه (النصر للجزائر )  الصادر عن مجلة (أمال) في أوائل سنة 1984:
( ان هناك شعرا لا يعتريه القدم والذبول بل يظل محتفظا برونقه وجدته مهما طال عليه الزمن، ونعني به الشعر الصادق الإحساس المعبر عن انفعال إنساني عميق بأدوات قادرة على توصيل ذلك الإحساس وهذا الانفعال الى الآخرين )
ويضيف سعد الله موضحا :
( ليست هذه الأدوات الا ما اصطلح عليه الناس باللغة والموسيقى الشعرية والصورة والخيال. )
ويشير سعد الله الى انه اذا توفرت تلك العناصر الأربعة اي اللغة الشعرية والإيقاع الموسيقي والصورة الشعرية المبهرة والخيال البارع، فينجم عنها شعر حي خالد ومتجدد على الدوام، ولا يهم عندئذ ان قيل في عهد هوميروس او امرئ القيس او اليوم.
ذلك هو مفهوم سعد الله للشعر الحي الخالد.
وعن وظيفة الشعر ودوره، يؤكد سعد الله في واحدة من بواكيره الشعرية (هزار الشعر .. ديوان الزمن الأخضر . كتبها في مارس 1953) :
كم من شعوب أضاء الشعر منهجها@ الى الحقيقة فانجابت دياجيها
الشعر قنبلة موارة لهبا @ اذا تفجرت الأوزان تلقيها
الشعر معجزة الإلهام طافحة@ من النبوغ الالهي في سواقيها
الشعر باقة ريحان تصففها @ ايدي الملائك والأحلام تهديها
وفي قصيدة ( طريقي.. ديوان الزمن الأخضر ) وهي أشهر قصائد سعد الله الحرة يشير الى روح الشعر وخلوده:
سوف تدري راهبات وادي عبقر
كيف عانقت شعاع المجد احمر
وسكبت الخمر بين العالمين
خمر حب وانطلاق ويقين
ومسحت أعين الفجر الوضية
وشدوت لنسور الوطنية
ان هذا هو ديني
فاتبعوني او دعوني
في مروقا …
فقد اخترت طريقي
يا رفيقي.
وعن دور الشاعر في معركة التحرر ينظم  أبياتا شعرية موسومة بعنوان (شاعر حر…ديوان النصر للجزائر ):
النار رمز جهاده  @ والنور لون وجوده
والحب ملء فؤاده @ واللحن ملء قصيده
يصوغ للناس شعرا@ من دمه ودموعه
ويكسب الشوك عطرا@ لوطنه وجموعه
ان المتأمل في الأبيات السالفة سيلاحظ ان سعد الله كأنما يتحدث عن نفسه ، فقصائده فعلا هي نار وحمم تدك حصون الأعداء وكيان المستعمرين الطغاة، وهي نور ومعرفة تنير الدرب حتى لا ينزلق المرء في المتاهات وأتون العنف الأعمى فالعنف هنا أفرزته ظروف المستعمر الغاشم وليس نزعة لصيقة بالإنسان الجزائري ، وهي كذلك مكرسة لقضايا وطنه وبطولات شعبه، وكتابة الشعر هي معاناة ومكابدة حقيقية فحبرها من الدم والدموع ، وخطابها موجه للناس العاديين البسطاء وليس للنخب او ذوي الأبراج العاجية.
يقول الاستاذ المؤرخ احمد توفيق المدني باعتباره رئيس مكتب القاهرة لوفد جبهة التحرير الوطني والأمين العام لجمعية العلماء المسلنمين الجزائريين ، في المقدمة التي كتبها لديوان ( النصر للجزائر ) سنة 1957 :
(من تأمل قصائد ومقطوعات شاعرنا الناشئ الثائر رآها تعبر عن جميع تلك الأحاسيس وتختلج بكل هاتيك المشاعر،  وتتناول بيد الفنان الملهم مختلف عواطف الشعب وزفرلته والامه، وعذابه وآماله، فتصوغها ، دون تكلف ، شعرا ساميا،ان لم يرض كل جزائري عن ألفاظه وموازينه وقوافيه فأنا أؤكد انه يعبر اصدق تعبير عما تجيش به نفس كل جزائرية وكل جزائري ، وجميعهم جنود هذه الثورة الجامحة وأعوانها).
ولا بد من الإشارة هنا الى ان مرد ذلك التحفظ الذي أبداه الشيخ احمد توفيق المدني بقوله (ان لم يرض كل جزائري عن ألفاظه وموازينه وقوافيه) إنما يعود الى المعركة الفكرية التي كانت في أوجها آذاك بين أنصار الشعر الكلاسيكي التقليدي وانصار الشعر الحر الذي ساهم الدكتور سعد الله في وضع أسسه ابتداء من سنة 1947 هذا الشعر الذي ثار على الألفاظ الرنانة والبحور الستة عشر المغلقة والقوافي الجامدة، وانخرط في مناخ التحرر والتحرير والمطالبة بالحرية السائدة آنذاك ،
ولا ننسى ان المدني باعتباره أمينا عاما  لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين  المحافظة كان من الذين يرون  في ذلك مروقا عن المألوف الشعري الذي استمر لقرون عديدة يحدد النظرة الى الشعر،
لكن مع ذلك وبعد إصرار سعد الله على مواصلة التجربة، فقد تمكن من نشر قصيدة ( طريقي) في  العدد 311 من صحيفة (البصائر ) لسان حال الجمعية الصادر بتاريخ 25 مارس 1955 نظرا لعمقها وصدقها الذي أشار اليه المدني في ملاحظته السابقة ، واعتبر  نشرها بطاقة ميلاد الشعر الحر في الجزائر اذ لم ينشر قبلها اي تجربة شعرية حرة، لأي شاعر اخر سواء في صحف جمعية العلماء او غيرها، ومن الجدير ذكره هنا ان هذه القصيدة لم تنشر في ديوان ( النصر للجزائر ) لأسباب ذكرها سعد الله انها تتعلق بدار النشر ذات التوجه اليساري والتي حذفت كذلك قصائد اخرى دون استشارة الشاعر، بل وطال التصرف حتى عنوان الديوان ذاته.
وينبغي ان نشير هنا الى ذلك النقاش الذي ساد حول من يكون  رائد الشعر الحر في الجزائر ، اذ اشتد النقاش وطال الجدل في تفاصيل  هذا الموضوع إبان  السبعينات والثمانينات من القرن الماضي ، غير ان سعد الله قطع قول كل خطيب  حين تناول في مقدمة (الزمن الأخضر.. ديوان سعد الله) وأورد ما نشره بمجلة الآداب البيروتية سنة 1957 وأعاد نشره بكتابه ( دراسات في الأدب الجزائري الحديث ) فقال:
( كنت أتابع الشعر الجزائري منذ 1947باحثا فيه عن نفحات جديدة وتشكيلات تواكب الذوق الحديث، ولكني لم اجد سوى صنم يركع أمامه كل الشعراء بنغم واحد وصلاة واحدة ، ومع ذلك فقد بدأت اول مرة انظم الشعر بالطريقة التقليدية، اي كنت اعبد ذات الصنم واصلي في ذات المحراب، ولكني كنت شغوفا بالموسيقى الداخلية في القصيدة ، واستخدم الصورة في البناء .. غير ان اتصالي بالإنتاج العربي القادم من المشرق – ولا سيما لبنان –  واطلاعي على المذاهب الأدبية والمدارس الفكرية والنظريات النقدية، حملني على تغيير اتجاهي ومحاولة التخلص من الطريقة التقليدية في الشعر)
وضمن تداعيات البحث عن التجديد الشعري جرب سعد الله قصيدة النثر ( الى أين ) سنة 1954 ثم أحجم عن هذا النوع من التجريب حيث يكتب ( الزمن الأخضر) :
( التجديد وحده لا يكفي. فالخروج عن مألوف الوزن والقافية، وحتى الموضوعات والتصورات، والتمرد عن القواعد النحوية والصرفية قد تجعل من الشاعر مهرجا ولكن لا تجعل منه شاعرا خالدا.)
وفي خضم هذا التجريب استقر رأي سعد الله على القصيدة الحرة والتي كانت أولاها قصيدة (غيوم) سنة 1954 لكن قصيدة ( طريقي) هي اول قصيدة حرة تنشر في الجزائر،
ويشرح سعد الله مسالة ريادة الشعر الحر في الجزائر بالتفصيل، في مقدمة ديوانه ( النصر للجزائر ) في طبعته الثانية وبحيادية الباحث، حيث أشار الى ان القضية تتسم بالنسبية الى ابعد الحدود، وأوضح :
( تجادل بعض النقاد عندنا فيمن هو الاول من شعرائنا الذي ادخل هذا النوع من الشعر الى الجزائر. فذهب بعضهم الى ان رمضان حمود اول من جرب الشعر المنثور، وقال اخر ان عبد الكريم العقون اول من حاول الشعر المقطع، ورأى فريق اخر انني اول من حرر الشعر من قيود الوزن والقافية. ولكني أحب ان اطمئن الجميع بان هذه قضية نسبية. وما دامت كذلك، فان الأولية فيها ليست مطلقة. فقد يكون هناك من الشعراء من سبقني الى الطريقة الحرة، ولكنه لم يتح له ان ينشر تجربته، وقد توجد ظروف تسمح لهذا الشعر بالإظهار ولآخر بالاقبار. )
ونلاحظ هنا ان سعد الله يفرق تماماً بين ثلاثة انواع من الشعر، وهي الشعر المنثور والشعر المقطع والشعر الحر.
ويسترسل في شرح وجهة نظره هذه فيؤكد انه قد كتب عدة قصائد أولها ( غيوم) المذكورة آنفا ، قبل قصيدة (طريقي) لكن لم تجد طريقها للنشر في جريدة ( البصائر) المحافظة، وربما حاول اخرون كذلك وفشلوا، لكن سعد الله الصبور قد استمر في المحاولة الى ان نجح في ذلك، ويضيف:
(ان تجربة الشعر الحر”وغيرها من التجارب” لا تقاس اوليتها بنموذج واحد او نحوه، ولكن بتعدد النماذج واقتناع الشاعر نفسه بها ومحاولته الإجادة فيها. ذلك ان التجربة قبل كل شيء” اختيار” والاختيار يقتضي الالتزام الذي يعني بدوره الإيمان بالتجربة ومحاولة إتقانها والمساهمة في إثرائها)
وقصيدة (طريقي.. ديوان الزمن الأخضر ) جاءت مفعمة بروح النضال والتحرر، معبرة عن نزعة الاختيار والتحدي، يقول فيها سعد الله:
يا رفيقي
لا تلمني عن مروقي
فقد اخترت طريقي!
وطريقي كالحياة
شائك الأهداف مجهول السمات
عاصف التيار وحشي النضال
صاخب الأنات عربيد الخيال
كل ما فيه جراحات تسيل
وظلام و شكاوي و وحول
تتراءى كطيوف
من حتوف
في طريقي
يا رفيقي …
وأحب ان اختم هذه الورقة بهذه الكلمات الرائعة التي تعبر عن شخصية سعد الله  أحسن تعبير( مقدمة النصر للجزائر ) :
( استمر الطائر في تحليقه بحثا عن الحرية، وبعيدا عن كل الشباك ومغريات الصيادين، لان نشر الكلمة هو هدفه الأسمى، والتعريف بالأدب الوطني هو ضالته الكبرى، والمتعة الأدبية هي غايته القصوى)
ا.د. احمد حمدي

شارك بتعليقك