عن النخب المثقفة

عن النخب المثقفة، هو الموضوع تناولت الكتابة عنه في مقالي الاسبوعي المنشور بجريدة صون الاحرار يوم الاحد 23 فبراير الماضي.

يصدر، في هذه الأيام، الكثير من الأحكام الجاهزة، عن النخب المثقفة، وعن اسباب غيابها، وعدم القيام بدورها الأساسي في قيادة المجتمع، والمساهمة في إيجاد الحلول الناجعة لمشاكله الكثيرة، خاصة في هذا الوقت الذي يعج بالأزمات ، من مختلف الأنواع والأشكال والاحجام.
وفي خضم ذلك، يذهب بعض المتشائمين، في بلادنا، الى إنكار وجود هذه النخب المثقفة بالأساس، وهذا إنكار أيضاً لسيرورة المجتمع ومنظومته التعليمية، ولعبقرية ابنائه الامر الذي يدفع الى الياس والإحباط، ويشجع المتطفلين والمتطرفين والانتهازيين والادعياء الذين لا يقيمون وزنا للفعل الثقافي، والإبداع الى احتلال مواقع القيادة في المجتمع ومن ثمة هدر خيراته ونهب ثرواته، والمغامرة بمستقبله، والعبث بمستقبل ابنائه، وهم يقتادونه ويجرونه جرا نحو الهاوية، وهم  يدرون، او لا يدرون.
والحقيقة ان هذه الأحكام تصدر عن فرضيات عائمة لا تحدد مفهوما واضحا  للنخب، ولا لدورها، وعن نظرات غائمة الى المثقف وجعله بطلا دونجوانيا سلبيا ومشلولا، يعتريه الفشل في خطواته، ويقعده الكسل عن أداء مهامه، ويثنيه الاتكال على الآخرين عن انجاز أعماله، وفي الحصيلة يبقى أسير انتظار الذي لا يأتي، .
وهذه النظرة بما تحمله من مثالية تؤدي الى الخطل اكثر مما تفصح عن رؤية ثاقبة، لا تساعد على تحديد من هو المثقف?وما هو دوره?وما مدى مساهمته في قيادة المجتمع ?
كما لا تحدد مفهوما  واضحا يرتكز على  منهجية علمية للنخب التي لا يمكن الا حصرها في مجموعات متجانسة، بدل الصورة الهلامية  التي يتركها الانطباع السائد عن أنها تتشكل من الذين يعيشون بين أوراق  الكتب، ورذاذ الكلام المنمق.
يذهب اغلب الباحثين  والأساتذة الذين تطرقوا، في كتاباتهم لهذا الموضوع، الى ان المثقف هو كل  مفكر ومبدع وفنان, ودوره في قيادة المجتمع هو ان( يسهم في تشكيل الرؤي ويولد الأفكار فإن وجد من يتلقي أفكاره وإبداعاته وتفاعل معها وتأثر بها, هنا يكون المثقف مؤثرا وفاعلا إيجابيا في حركة المجتمع ولكن في ظل تجاهل السلطة للمثقفين وعدم اهتمامها بالثقافة والتعليم وفي ظل غياب الجمهور الباحث عن الفكر والثقافة بسبب انشغاله بالسعي خلف قوت يومه, هنا يتواري دور المثقف ويصبح هامشيا اضطرارا وليس اختيارا, ولاجدال في أن المثقف لا يمارس دوره التنويري والتغيير عندما يكون خائفا أو مرتبكا ومشتتا, ولذلك يبعد قدر الإمكان عما ينغص حياته أو يشوش افكاره.)
ويمكن الإشارة أيضاً الى دور المجتمع في إفراز نخبه، وتوفير المناخ المساعد على ازدهارها وتفاعلها مع قضاياه، فهو الذي يولد البيئة الحاضنة للنخب المثقفة، وهذه البيئة إنما تأتي عبر صيرورة اجتماعية، وعمل تراكمي وجماعي يساعد النخب المثقفة على القيام بالأدوار القيادية، ويعمل على تحسين ادائها، كما انها  تفصح عن مدى الاستيعاب والاستجابة للمنجز الثقافي، وتكييفه مع الواقع ، وتحويل تلك الأفكار والرؤى الى واقع معيش وسلوك حضاري، وتكشف البيئة الحاضنة كذلك عن مستويات التنمية البشرية، كما تسفر عن مدى تطورها في البلد، ومستواها هو الذي يحدد قدرات الاستجابة، والتفاعل الثقافي وتبلور الأفكار في واقع تزدهر فيه الحياة

شارك بتعليقك