صناعة الديكتاتور

التضخيم، في مجال الاعلام، هو شكل من أشكال الخطاب الديماغوجي، ويتسم بالإثارة والتهريج واستغباء المتلقي، ويتم بطرق ووسائل متعددة، ويستهدف كذلك فئات مختلفة من الأفراد والجماعات، وما يمكن ملاحظته انه في السنوات الاخيرة ببلادنا تحول الى ظاهرة إعلامية تتميزبالتهويل المريب وصناعة الرداءة والانتشار الواسع، وبمعنى اخر، فإنه قد صار فسادا إعلاميا يطال مضمون المواد الإعلامية، كما يطال تسيير المؤسسات الإعلامية.
والمعروف ان التضخيم المبني على الإثارة والتهويل يقود لا محالة الى إنتاج  الزعيم المتجبر، اي ان التضخيم هو أصل في  صناعة الديكتاتور، وتوطيد أركان الحكم الديكتاتوري.
ويعتبر، من جهة اخرى، من أسوأ انواع الكذب والدعاية والتلاعب بعقول الجماهير، وبذلك فهو يتعارض تماماً مع وظيفة الاعلام التي تعني المساهمة في صناعة الوعي وقيادة الجماهير نحو المعرفة والحقيقة، و القيام بدور أساسي في انضاج رأي عام يساعد على بلورة مقاربات الحادثة والتطور،
ويطال التضخيم الافراد والأحداث، وإذا كان بالنسبة للأحداث يتسم بالتزوير والتضليل والدعاية والكذب، فانه بالنسبة للأفراد يؤدي الى تضخيم الفرد وصناعة الديكتاتور والحاكم المستبد والسلطان الجائر ، وفي ظله يزدهر الحكم الديكتاتوري وعبادة الزعيم، ويعم الفساد وينتشر الجهل وتسود الجهوية والمحسوبية وكل أمراض الحكم الفاسد.
وهناك أمثلة عديدة مما يجري حولنا، يمكن ان نلحظها ونسوقها، خاصة في هذه الأيام التي يسود فيها الحديث عن الانتخابات الرئاسية، فاغلب وسائل الاعلام مثلا تتحدث عن ان عدد المترشحين قد تجاوز مائة مترشح، وتقدم ذلك على انه حقيقة لا تقبل النقاش، والواقع إن ذلك كذب وتضليل للمتلقي، اذ انه، الى حد كتابة هذه السطور، لم يتم تسجيل اي مترشح، لانه وبكل بساطة  لا يتم ذلك الا عبر قبول المجلس الدستوري ملف الراغب في الترشح الذي يكون قد استوفى كافة الشروط.
أي ان الذي يجري إن هو الا تضخيم لرغبة في الترشح، تلاه تهويل وتطبيل من قبل بعض وسائل الاعلام التي تفتقد الاحترافية والمصداقية، وتنخرط في صناعة التضليل، وأدى ذلك على مستوى الأفراد الى بروز أشخاص مضخمين يطلون علينا برؤوسهم  من شاشات التلفزة ضيوفا ثقالا، يقولون كلاما غير مفهوم، ويتطاولون على كل الأعراف والمنطق.
وبذلك تكون وسائل الاعلام قد اغتصبت من قبل أشخاص مجبولين على حب الظهور وشغوفين ببهرجة الأضواء وقد خبرناهم في المواعيد السابقة، بيد ان ظاهرتهم ، هذه المرة طالت أشكالا من المطرودين من المدارس، والمنتزهين الفرصة لتبييض أموالهم وأحوالهم، والمنحرفين الطامعين في مكانة اجتماعية، كل هؤلاء صاروا تحت الأضواء الكاشفة لتلفزة زاعمة أنهم مترشحون، وهذا هو عين التضليل للمتلقي واستغباءه، وعين التضخيم بالنسبة للفرد الذي  اصبح (كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد) كما يقول الشاعر القديم،
ويزداد التضخيم خطورة عندما يحدث في بلاد  تسود فيها الأمية، وينتشر الجهل،  وتعم عقلية تصديق ما جاء في ( الجورنال) دون أدنى شك نقاش

شارك بتعليقك