فضاء أحمد حمدي

إلى رشيد بوجدرة: لست وحــدك يــا صديقي

في مقابلة مع تلفزيون النهار أفضى الكاتب الكبير رشيد بوجدرة بزفرات موجعة تشخص المآل المزري الذي آل اليه الوضع الثقافي ببلادنا، وندد بسياسة التهميش بدل سياسة التثقيف، وعاتب إدارة ثقافية بيروقراطية قاتلة، مثقلة بجيوش من الطفيليين قريبة من الأمية، بعيدة عن الثقافة. فأضفتُ الى زفراته، هذه الزفرات: نعم… لست وحدك يا صديقي، من يعاني هذا من التجاهل والتهميش والإقصاء، فبلادنا – وبالأحرى قياداتها- ظلت هكذا تنأى عن الثقافة، تقتل أبناءها، تطفئ شموعها، تغتال نجومها، تتحسس مسدساتها عندما تسمع كلمة ثقافة. لقد عانيتها انت من قبل؛ يا صديقي، في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات حيث كان جهابذة الرقابة في الصحافة المكتوبة بالفرنسية يترصدون خطواتك مثلما ترصدوا قبلك خطوات الشاعر المجاهد جان سيناك، ولم ينشروا حتى خبرا قصيرا عن صدور روايتك الكبيرة -التطليق- التى كانت تتصدر عناوين كبريات الصحف العالمية، وتترجم الى كل لغات الامم الحية. لقد حوربت بشكل جائر يا صديقي، لكن ظللت تحب الجزائر، ولم تصدق نفسك عندما أجريت معك حديثاً مطولا؛ وقلت لك سأنشره في صحيفة -المجاهد- الأسبوعية، حيث لا وجود لجهابذة الرقابة الذين كانوا يجهلون او يتجاهلون أن جيلا جديدا في الأدب الجزائري المعرب قد نضج بسرعة بعيدا عن الرقابة، والجمود والتخلف. وتفاجأ الجميع بالحديث منشورا، وبجرأة غير مسبوقة، في الطرح والأفكار، وألحقت ذلك الحديث؛ في عدد اخر، بقصيدك المطول-الارتجال في كيفية ارتشاف القهوة- على صفحتين كاملتين من الجريدة. وهكذا اكتشفت بنفسك ان جيلا جديدا من الأدباء الجزائريين قد حرر الادب الجزائري المكتوب بالعربية، من الخمود والركود ونفض عنه غبار السنين، ومساحيق الخطابة والوعظ والارشاد. وهكذا قررت عندئذ ان تكتب-التفكك- بالعربية وأنجزت وعدك، ووجدت نفسك امام معضلة النشر، بيد ان الصدف الجميلة كثيرا ما تخب مفاجآتها؛ فقد حل ببلادنا في هذا الظرف صاحب دار النشر اللبنانية -ابن رشد-، فكان ذلك بصيص أمل في فك الخناق من حولك الذي ضربته الى جانب جهابذة الرقابة عندنا؛ دور النشر الفرنسية التي اشترطت عليك ان تكتب بلغتها اولا، ثم يترجم الى اي لغة اخرى لاحقا. المناسبة كانت سانحة لكسر تلك السلاسل الجهنمية، ولفك ذلك الحصار الخانق المضروب حولك، ورافق ذلك حراك ثقافي، ساهم فيه بكل حكمة وهدوء المسرحي العظيم مصطفى كاتب والوزير المثقف محمد الصديق بن يحي، فاستضافت بلادنا كبار الكتاب من كل أنحاء العالم من نزار قباني الى ايفتوشنكو، ومن عبد الوهاب البياتي الى أولغا فلادسوفا،،الخ وجاءت سنوات الدمار،، سنوات الدم والدموع لتقيم جدرانا خرسانية بين المثقفين، وتزدهر فتاوى القتل والتكفير، وجرفت في طريقها تقاليد ثقافية كادت تصير راسخة، فاختفى نادي الطلبة واللوتيس، والنوفلتي والكافيتيريا، وغرق اتحاد الكتاب والنفق الجامعي والكابري، واستسلمت الهقار والطانطانفيل امام زحف القحط، وعوائد الزمن. وهاهو التجاهل الرسمي يمارس مرة اخرى، ليس عليك وحدك يا صديقي بل على كل الذين تعرفهم والذين لا تعرفهم من المثقفين، وأسألك ماذا تنتظر ممن لم يقرأ كتابا في حياته، وممن لم يحضر أمسية شعرية، وممن لم يسهر مع عرض مسرحي، انهم طفيليو الثقافة ، مثلما وصفتهم، الذين أسسوا إخوانيات مقيتة، وشكلوا عصابات نقدية، وفيالق نكدية، وجندوا ميليشيات مسعورة فقضت على اتحاد الكتاب، والمؤسسة الوطنية للكتاب وآمال والثقافة وقاعات السينما،،،، ااااخ لا أستطيع مواصلة الكتابة.

Categories:   مسارات

Comments