فضاء أحمد حمدي

الدستـــور والديمقراطية التــوافـقية

في ديباجة مشروع الدستور المطروح للنقاش طرحت فكرة الديمقراطية التوافقية
la démocratie consociationnelle بلغة ركيكة، وكيفية تزيد من غموض معناها، والتباس مقصدها ومرماها، حيث أشارت الى ان السبيل التوافقيla voie consensuelle  يحمي مصالح المجموعة الوطنية، دون اي توضيح او تفسير لمعنى ذلك.
والواقع ان التوافقية التي ينبني عليها السبيل او النهج التوافقي إنما هي فكرة فلسفية ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية اثر فشل الأنظمة الديمقراطية التي تعتمد على مبدأ الأغلبية الصالح للمجتمعات المتجانسة قومياً، والذي اظهر فشله ازاء المجتمعات التعددية غير المتجانسة.
وقد برز مفكرون وعلماء سياسة في هذا التخصص لعل أكثرهم شهرة؛ الباحث ?ارند ليبهارت
Arend Lijphart صاحب كتاب (الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد) الذي اطلق في الستينات فكرة نموذج ديمقراطي اسماه النظام التوافقي. Le régime  consociationnel حيث اكد ان هذا النظام يصلح للمجتمعات غير المتجانسة، ويضيف:
)إن المجتمع التعددي هو المجتمع المجزأ بفعل الانقسامات الدينية أو الأيديولوجية أو اللغوية أو الجهوية أو الثقافية أو العرقية؛ كما أنه المجتمع الذي تنتظم بداخله الأحزاب السياسية، ومجموعات المصالح، ووسائل الإعلام والمدارس، والجمعيات التطوعية، على أساس الانقسامات المميزة له(.
في ظل هذا السياق تبلور مفهوم الديمقراطية التوافقية التي تعني ضمن ما تعنيه؛ النظام الذي تتعدد فيه مصادر السلطة، وقد ظهرت كخيار بديل عن الديمقراطية التنافسية والديمقراطية التمثيلية الفاشلة في المجتمعات غير المتجانسة، ناهيك عن انها في البداية عرفت تحت مصطلح الديمقراطية النسبية، لانها مبنية على مبدأ »التراضي« وليس على مبدأ الأغلبية، وترتكز الديمقراطية التوافقية حسب (ليبهارت) على اربع خصائص:
1ـ تحالف كبير يضم المكونات الرئيسة للمجتمع التعددي.
2ـ وجود مبدأ الاعتراض وفق نظام يتفق عليه بين الأطراف.
3ـ نظام المحاصصة (الكوطة) سواء على صعيد المقاعد البرلمانية أو أعضاء الحكومة أو الوظائف المهمة في الدولة.
4ـ كل مكون من عناصر المجموعة التوافقية يضبط أمور أفراده ويمثله بشكل جيد.
كما يحدد الكاتب نفسه مساوئ هذا النظام بعدة نقاط نذكر منها: أنها ديمقراطية نسبية، وأنها تصلح للمجتمع الطائفي، وتفضي اليالتجزؤ الاجتماعي  وتقسيم المجتمع التعددي إلى عناصر اكثر استقلالية، كما تبين عجزهاعن إحلال الاستقرار السياسي والحفاظ عليه. ومن سماتها أيضاً أنها تقود إلى كثرة التردد، وعدم الحسم،  ونقص الفعالية، وأما المشكلة الأكثر خطورة فهي كثرة الانتظار ازاء قضايا صنع القرار، والجمود امام مشاكل عدم الفعالية الإدارية.
وبالعودة الى بلادنا فان هذه الخصائص المذكورة أعلاه غير موجودة إطلاقا؛ فمجتمعنا غير مجزأ، ولا هو طائفي، ومفهوم المحاصصة يؤدي لا محالة إلى تعميق الجهوية المقيتة، بينما مفهوم التوازن الجهوي المعمول به عرفيا أبدى فعاليته ورجاحته،
ومن الضروري الإشارة إلى أن الدول التي اعتمدت هذا النظام تبحث الآن عن سبل للتخلص منه؛ وبعمليات جراحية مؤلمة كالانفصال والحكم الذاتي.
لذلك فان التخلي عن هذا المفهوم، وعدم الإشارة إليه في هذا الدستور اهم وأحسن من الزج بالبلاد في أتونه الحارق، ولعل الديمقراطية التنافسية اقرب الى واقع بلادنا من هذه المغامرة غير محمودة العواقب.
واعتقد انه من واجب المثقفين ان يدلوا بآرائهم التنويرية بهذا الخصوص، وان لا ينجروا وراء بريق المصطلحات الموسمية التي تطفو على السطح بفعل الانتشار والاستعمال الصحفي، دون التأمل في أبعادها السياسية، وخلفياتها الفكرية. وأخطارها على المجتمع.

Categories:   مسارات

Comments