في ذكرى الطاهر جاووت

مرت الذكرى الـ21 على اغتيال الصحفي والكاتب المرحوم الطاهر جاووت، هذا الكاتب المبدع الذي خسرته الجزائر، سنوات الدم والدموع، في أوج عطائه الأدبي

مرت الذكرى الـ21 على اغتيال الصحفي والكاتب المرحوم الطاهر جاووت، هذا الكاتب المبدع الذي خسرته الجزائر، سنوات الدم والدموع، في أوج عطائه الأدبي، فقد بدا حياته الأدبية شاعرا رقيقا يختار كلماته بعناية فائقة مثل العديد من الكتاب الجزائريين الذين بداوا شعراء، ثم انتقل الى المغامرة الروائية حيث ابدع ورسخ قدمه في هذا المجال، كان دقيق الملاحظة؛ يلتقط نبض الحياة الاجتماعية بدقة متناهية، هذا الكاتب الذي بزغ نجمه في السبعينيات، فهو من مواليد يوم 11 جانفي 1954بايغيل ايبحرين – أزفون بمنطقة القبائل، زاول دراسته بمدارس وثانوية عقبة بالجزائر العاصمة ابتداءا من الموسم الدراسي لسنة 1966 حيث حصل على ليسانس رياضيات سنة 1974 من جامعة الجزائر، فهو الوافد إذن من تخصص الرياضيات الى عالم الادب.
لقد اكتنف الحديث عنه كثير من الغموض والمغالطات والتعتيم في زمن رديئ أدى إلى تصويره بانه من دعاة الفرنكوفيلية، ومن أعداء العربية في الجزائر، خاصة بعد سوء الفهم الذي حصل بينه وبين المرحوم الطاهر وطار، وهو ابعد الناس عن ذلك، واعتقد جازما انه كان مخططا لهذه الفتنة بين الأديبين الكبيرين؛ من قبل غلاة الفرنكوفيلية الذين ينكرون وجود أدب جزائري باللغة العربية، ويحاولون إخفاءه واطفاءه بكل الطرق، لقد حاولت شخصيا راب ذات الصدع بين الأدبيين وفاتحت وطار في ذلك الذي أبدى تفهما لكن تواجد جاووت خارج الجزائر حال دون ذلك الى ان جاءنا ذلك الخبر المفزع، ذات صباح يوم 02 جوان 1993 لقد تعرفت على جاووت عندما كان طالبا في كلية العلوم بجامعة الجزائر من خلال أديبين كبيرين هما الشاعر جان سيناك، والشاعر شكيب حمادة الذي صدر له في هذه الفترة ديوان بعنوان  أزهار تاغاست زسوق اهراسس عن دار نعمان بكندا.
ومنذ ذلك الحين ظلت تربطنا بجاووت علاقة صداقة ومودة واحترام، فكثيراً ما كنا نلتقي في المقاهي المجاورة لجامعة الجزائر، حيث نتبادل أطراف الحديث حول القضايا الأدبية المطروحة على الساحة الوطنية والعالمية، وفي غضون ذلك صدر له اول ديوان شعري بعنوان  مدار بالإسلاك الشائكة – Solstice barbelé – poèmes 1973-1974  عن دار نعمان بكندا المذكورة آنفا.
هذا الديوان لم يجد له صدى في الصحافة الفرنكوفونية بالجزائر، ويبدو انها قاطعته، لكن قمت من جانبي، وعلى مدى صفحتين من المجاهد الأسبوعي بعرض وتقديم هذا الديوان، والإشادة به، كان ذلك في بداية سنة 1975 وكان ذلك اول عرض وتقديم عن الطاهر جاووت في الصحافة الجزائرية العربية منها والفرنسية، حسب شهادته، ومنذ ذلك الحين ظل يطلعني عن جديده، بل وراح بإصرار كبير يحسن لغته العربية التي أجادها وحاول عدة مرات الكتابة بها لكنه لم يتشجع لنشر ذلك، حسب علمي.
اذكر انه كان في منتصف الثمانينات محررا بالقسم الثقافي بأسبوعية Algerie – Actualité وقد أرسل الى تغطية الأسبوع الثقافي الجزائري الاول باليمنين اي قبل الوحدة ، كنت نائبا لرئيس هذا الوفد الذي ضم كبار المبدعين الجزائريين من احمد وهبي وخليفتي احمد ومعطي بشير، الى الدكتور ابي القاسم سعد الله والدكتور عبد المالك مرتاض،،،،الخ، فآليت على نفسي الا ان يكون جاووت عضوا كاملا في الوفد الرسمي باعتباره شاعرا، حيث ساعدته على ترجمة بعض قصائده التي ألقاها في أمسية مشتركة بيني وبينه في عدن، حيث كان يقرا في البداية مطلع القصيدة بالفرنسية، ثم يلي ذلك النص المترجم الى العربية ، وقد لقيت هذه التجربة صدى كبيرا لدى الحاضرين.
كان جاووت شغوفا بالشاعر الفرنسي المغامر ارتور رامبو Arthur Rimbaud الذي كتب اعظم ديوان شعري فرنسي في عدن- اليمن الجنوبي آنذاك، بعنوان  فصل في الجحيم Une saison en enfer حيث اقام فيها بين الفترة من 1880 – 1891 على مراحل زمنية متفرقة، أراد جاووت تتبع اثار الشاعر الفرنسي لكن للأسف لم يجد شيئا، لكنه اثار لدى الأدباء اليمنيين غريزة البحث عن ذلك، وحددوا فيما بعد المكان الذي نزل به هذا الشاعر الكبير،لاحظ جاووت ذلك الجو المشبع بالرطوبة وتلك الحرارة التي لا تضاهيها حرارة بخار الحمام، وذلك الجبل البركاني الرهيب الذي يقف حارسا أبديا لعدن، فسال عن اسمه فقيل له اسمه جبل الشمسان ، ولاحظ أسراب الغربان التي تملا فضاء المدينة، قال الان عرفت مصدر تلك الصور النادرة التي وشح بها رامبو ديوانه الخالد فصل في الجحيم. فقلت له ممازحا هذا البيت المرتجل جبل الشمسان يعلو شامخا … كحليق الرأس او عاري البدنلا شك ان صورة هذا الكاتب المبدع قد شوهت كثيراً من قبل الفرنكوفيليين الذين اوهموا الجميع بانه منهم، وهذا يتناقض تماماً مع الصورة التي عرفته بها، وأؤكد انه لم يكن أبدا معاد للعربية، بل كان شغوفا بها وبالثقافة العربية في الأندلس وفي بجاية التي أخذت منها أوروبا علم الرياضيات وقد عبر عن ذلك في بعض كتاباته الصحفية.

شارك بتعليقك