قصف اعلامي وعصف كروي

عندما نتأمل الضجيج الاعلامي الذي صاحب مشاركة الفريق الوطني في كاس العالم، من بداية التصفيات الى الوصول الى البرازيل؛ يفضي بنا الى مسالتين شائكتين؛ تتعلقان بالفعالية السياسية الجزائرية، والقصف الاعلامي غير الممنهج ، وغير المدروس :
1) مسالة تتعلق بالأعلام وصناعة الرأي العام وتوجيهه؛ وهذه لا تتم بالقصف الاعلامي العشوائي الذي شاهدناه وما زلنا نشاهده في كرنفال من الغباء والبلاهة والبلادة وعدم الاحترافية، وإنما تتم بتحديد الأهداف واختيار المناهج وانتقاء الوسائل، وبرزانة الحكماءوحكمة المجربين، فرغم ان البلاد تنام على طاقات بشرية هامة تفوق طاقاتها الطبيعية بكثير، الا انها ما برحت تتخبط في الأبجديات الاولى للإعلام والاتصال، فإضافة الى سذاجة المحتوى وسطحية التفكير، برزت اخطاء وأخطار وزلات كثيرة عبر الفضائيات الجزائرية الخاصة، والمرخص لها خارج الاطر القانونية، من خلال اقتحامها لأول مرة تجربة تغطية هذا الحدث الفرجوي العالمي، لكن المؤسف انها دخلتها بعقلية بدائية جدا، دون ان تجد سندا او مؤطرا يساعدها في سلوك السبيل الصحيح، بل وحتى القنوات العمومية غرقت في نفس هذه المطبات لانها تسير بمنطق الإخوانيات والعشائرية، وليس بمنطق الاحتراف والعلم والتكوين، ونتيجة لهذا ها هي اليوم هذه القنوات الخاصة مهددة بالطرد من الأقمار الصناعية، وتحت طائلة عقوبات مالية باهظة لا يمكنها تسديدها؛ فهي متهمة بالقرصنة، والاعتداء على حقوق الآخرين من خلال بثها لصور متحركة خاصعة لحق الحصرية او الخصوصية؛ عبر برامجها التحليلية والاخبارية؛ وهي حالات لا يحق التصرف فيها، وحتى بثها المسموح به يخضع لإثبات مصدرها، بمعنى عدم ازالة رمز صاحب الحق .
وهذا الفعل المتسم بالجهل، وعدم الاحترافية، والمرتكب لأخطاء مهنية قاتلة، يسهم من جانب اخر، في تشويه صورة الجزائر والجزائريين، ويزيد خرقته اتساعا قيام تلك الفضائيات بالتسويق والترويج لذلك الصراخ المجنون، وتلك الصيحات الهستيرية التي يطلقها أنصار الفريق الوطني، باعتبارها تعبيرا عن وطنية عميقة، ونصرة وتشجيعا للفريق الوطني دون أدنى مراعاة للجانب الاخر المسيء والمشوه لصورة الوطن، حيث يبدو أولئك الصارخون، وكأنهم ينفسون عن مكبوتات وعقد نفسية ، ويبحثون عن حرية ضائعة ،،،
وهكذا فان عدم الاحترافية أفضى بهذه القنوات الى اخطاء ساذجة، في أبجديات الاعلام لكنها قاتلة للمؤسسات الإعلامية، مثلما ذكرنا آنفا؛ عدم التفريق بين القوانين التي تضبط الصور الثابتة والصور المتحركة، وحقوق التاليف والحقوق المجاورة، ومفهوم الحصري وغير الحصري وغير ذلك من بديهيات السوق الإعلامية.
2) مسالة تتعلق بالسياسة الرياضية في الجزائر، فهي تماماً مثل السياسة الثقافية لا راس لها ولا قدم، فالكاتب الجزائري او الفنان أو السينمائي لا يظهر هنا؛ بل هناك، بمعنى ان البلاد لا تعرف كيف تنقب وتكتشف طاقات وعبقريات ابنائها، وترويج لها، بل هي عالة على اكتشاف  الآخرين، نفس الشيء في كرة القدم ( اللي قالت لهم ارقدوا) كما يقول المثل الشعبي فكل الفريق الوطني تقريبا؛ ولد هناك، وترعرع هناك، وتدرب هناك، ولم تساهم سياسة البلاد في تكوينه وتنشئته ورعايته، ولم يحفظ قسما في مدرسته الابتدائية ولا تاريخ ثورة نوفمبر وغيرها من ثوراتنا المجيدة (وهذا تقرير لواقع مرير لا ينقص أبدا من وطنية وإخلاص اي كان)
هذا الوضع يعبر من جهة عن اعتراف رسمي بعقم سياسة البلاد في هذا المجال تماماً مثل عقهما في الاقتصاد حيث يتم اللجوء الى استنزاف باطن الارض والعيش على الريع فقط، ومن جهة اخرى يعبرعن إفلاس السياسة الرياضية في الجزائر التي لم تنتج لاعبا ليكون في مستوى الفريق الوطني لانها لا تعرف التنقيب عن الجواهر، وتحتقر  الصناعة المحلية، ولاحظوا انه عندما انتهجت الجزائر سياسة رياضية وطنية أنتجت فريق 1975 وفريق 1982 العملاق، اما الاعتماد على منتوج الآخرين فقد أنتج في كاس العالم الماضي فريقا عاد مباشرة بعد هزائمه؛ في جنوب افريقيا الى مسقط رأسه بدل الرجوع الى شعبه، ولذلك اكثر من دلالة.
ان الفريق الوطني الذي يمثل الجزائر اليوم يتشكل أغلبه من عناصر غير مولودة وغير متكونة في الجزائر، وهذا يعبر ببساطة عن فشل سياسي كبير في هذا المجال، يتجاوز الفشل الذي يعرفه المجال الثقافي باعتباره فشلا تتجرعه النخبوة المثقفة؛ في حين ان هذا تافشل تتجرعه الجماهير الغفيرة.
ان سياسة تتفيه كل ما هو محلي خطيرة جدا وحمقاء وتقتل روح الطموح وتغلق الآفاق في وجوه المواهب التي يصبح شغلها الشاغل هو كيف تفلت من الحصار الوطني لتتلالا في الخارج، انطلاقا من مقولة لا نبي في قومه؛ اعني لا نبي في الجزائر، فكذلك في الكرة لا بطل في الجزائر، وكل الهرطقات والوزارات ناهيك عن الأموال المهدورة في برامج وهياكل غير منتجة، وغير مفيدة إنما هي (كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد).

شارك بتعليقك