عن التنمية الثقافية في الجزائر

طرحت علي صحفية جريدة الشعب ب . هدى في اطار اعدادها لملف حول التنمية الثقافية في الجزائر بعض الأسئلة، يوم 22.01.2015 فكانت أجوبتي كالتالي:
1 ـ يعتبِر العديد من المختصين أن تغيير البنية الثقافية للمجتمعات هو المدخل الصحيح إلى التنمية.. ما قولكم؟
ج: ينبغي النظر الى الموضوع من زاوية ان البنية الثقافية للمجتمعات تندرج ضمن منظور المتغيرات وليس الثوابت، فهي تخضع دائماً ضمن الحراك الاجتماعي الى عملية التأقلم والتكيف مع المستجدات ، وبالتالي فان تغيير البنية الثقافية يحصل باستمرار، وهو من سمات الحياة، لكن السؤال المطروح هو : هل هذا التغيير في البنية الثقافية يتم نحو التقدم والازدهار، او نحو الجمود والتأخر ؟  فإذا كان الجواب نحو التقدم فانه فعلا يكون التغيير مدخلا ضروريا وأساسيا وصحيحا الى التنمية بجميع اشكالها، وإذا كان الجواب ان هذا التغيير يكون سالبا وينزع نحو الجمود والتأخر ،  فلا تنتظر الا تنمية سالبة اعني جمودا وانحطاطا وتأخرا .
2 ـ من منظوركم كيف يمكن الاستثمار في الثقافة في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية، وجعلها ركيزة من ركائزها؟
ج: لا شك ان الاستثمار في الثقافة يعبر عن وعي اجتماعي ناضج، ورؤية صحيحة، واستشراف صادق، ورغبة أكيدة في ضمان وبناء مستقبل متوازن ومزدهر، ولا شك ان الاستثمار في الرأسمال البشري هو اهم الاستثمارات على الإطلاق، اما عن كيفية ذلك فكثيرا ما تتجه الأنظار نحو قطاع التكوين والتعليم، وهي مقاربة صحيحة ، لكن محتوى ومضمون هذا التعليم هو الذي يحدد مخرجات التنمية البشرية الناجمة عنه، ويقدم النخبة القادرة على استشراف وبناء المستقبل ، وبالتالي المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية المنشودة، والى جانب ذلك يمكن ان يتم الاستثمار في قطاعات اخرى خاصة، وان كل المعطيات الحديثة تشير ان الاقتصادات تتجه نحو ما صار يعرف بالاقتصاد المبني على المعرفة،  فالتحكم في التكنولوجيات الحديثة لا يتم الا باستثمار واع واهداف مدروسة ، وكذلك الولوج في تقنيات المعرفة والمعلومات صار ضرورة أكيدة لفسح الطريق نحو التنمية الاقتصادية، كل ذلك يقع على عاتق المجتمع، دولة وافرادا.
3 ـ التنمية الثقافية ساهمت مساهمة قوية ومباشرة في النمو الاقتصادي في أغلب الدول المتطورة، هل ترون بأن الجزائر تنتهج مبدأ الاعتماد على الثقافة للنهوض باقتصادها؟
ج: منذ اسعادة السيادة الوطنية والجزائر تبحث عن اسلوبها او نموذجها للتنمية بصفة عامة، لكنها للأسف ظلت تخفق في كل مرة، ويعود سبب الاخفاق الىالسياسة المتبعة وغير الشعبية، كما تعود الى الفشل في التنمية البشرية، وأستطيع القول انه في مجريات التجارب الجزائرية بخصوص التنمية كانت الثقافة دائماً اخر اهتمامات الساسة واصحاب القرار ، وسارت على ذلك المنوال كل دواليب الدولة، بما فيها للأسف وسائل الاعلام المختلفة،  فالجرائد مثلا تضع دائماً القسم الثقافي اخر اهتماماتها، وتتركه للصحفيين المبتدئين، هذا الوضع يفسر النظرة غير الصائبة لدور وخطورة الثقافة في مجال التنمية.
4 ـ  ما الذي يمنع من تخصيص مشروع ثقافي يساهم في تحقيق التنمية الاقتصادية؟
ج: اكبر مانع هو النظرة غير الصحيحة للثقافة ، ولا بد من الاشارة هنا الى ان التاريخ الثقافي للجزائر خير شاهد على تقدير الانسان الجزائري للثقافة على مر العصور الامر الذي كشف عن مواهب  فردية خارقة قدمت للبشرية مساهمات معتبرة، لكن السياسات لم تكن كذلك، يمكن ان نذكر انه في السبعينات (عهد بومدين ) رفع شعار الثورة الثقافية طبعا  بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية، وبعد فشل هذا المشروع ، تم في بداية الثمانينات ( عهد الشاذلي) تقديم ملف السياسة الثقافية الذي فشل هو الاخر لانه هدفه الأساسي كان هو مسح اثار بومدين وليس التنمية الوطنية
5 ـ في اعتقادكم، هل من الممكن خلق جيل من المبدعين والمثقفين يعملون على بناء اقتصاد متطور؟
ج: اعتقد ان النخب الجزائرية موجودة لكنها مشتتة وفردية مثلما كانت عليه في زمن ابن خلدون وابن رشد، وللاسف يظهر منها من اتيحت له فرص الاتصال بالخارج ( المشرق او فرنسا) بمعنى ان الدولة لا تولي عناية للاستثمار الثقافي والترويج للمنتوج الثقافي باعتباره رافدا للتنمية الاقتصادية، تماما مثلما هو حاصل في ميادين اخرى، اعتقد ان الريع النفطي في الجزائر يساهم في ابعاد الفعل الثقافي عكس ما هو حاصل في الدول النفطية.
6 ـ كيف يمكن الاستفادة من الخبرات الدولية والسياسات الكبرى المنتهجة في هذا المجال؟
ج: نعم يمكن الاستفادة من تجارب الآخرين ، لكن علينا ان نبدع تجربتنا النابعة من صميم مجتمعنا، ان الثقافة تكتسب بالمجهود المجتمعي ولا تستورد مثل ( قِش بختة) يجب ان نثمن منتوجنا الثقافي ونضعه في المكان اللائق به ، وعلينا إعداد سياسة ثقافية متفتحة وعصرية ، وتطوير أساليب كفيلة بجعل الثقافة جزءا من نبض الحياة اليومية، وذلك ليس بالأمر العسير

شارك بتعليقك