الطاهر بن عيشة وأبوليوس

فقدنا صبيحة 2 جانفي 2016 الاخ والصديق والاستاذ والكاتب الالمعي والمفكر الموسوعي الطاهر بن عيشة عن عمر ناهز 91 عاما ، وبفقدانه تكون الساحة الثقافية الجزائرية قد فقدت علما بارزا من أعلامها وطودا شامخا من رواسيها، صنع له مكانا متميزا في المشهد الثقافي ناقدا ثاقب الرؤبية، مفكرا دامغ الحجة، حاضنا لتجارب جيل السبعينات مهما كانت مشاربهم ، كان دائما صاحب الكلمة الفاصلة، وداعيا الشباب الى الاغتراف من كل منابع  الحكمة والمعرفة، وخير دليل على ذلك هده المقدمة التي كتبها لمسرحيتي الشعرية الاولى (أبوليوس) الصادرة في طبعتها الاولى عن الاتحاد العام للادباء والكتاب العرب بدمشق العام1990:
عندما لاحظ الأستاذ الصديق أحمد حمدي اهتمامي بمسرحيته الشعرية ” أبوليوس” وهي تصدر تباعا على حلقات في الصحيفة اليومية ” المساء” رغب إلي أن أكتب مقدمة لهذه الطبعة. وبالطبع ما كان بإمكاني أن أرفض هذا الشرف الذي ألقى صديقي أحمد عبئه على كاهلي. وأقول عبئا لأنه ليس من اختصاصي العمل المسرحي، و لا ممارسة النقد في هذا الفن الجماهيري العريق. كل ما في الأمر، هو أني أحد الهواة الذين تستهويهم العروض المسرحية الجيدة وتثير فيهم أقصى درجات الإحساس بالنشوة والإمتاع. وعلى هذا الأساس سوف تقتصر مقدمتي لهذا العمل الإبداعي المسرحي الممتع، على الانطباع الذي ترسب في ذهني بعد قراءتي لهذه المسرحية.
أولا : كنت أشعر دائما بالمرارة كلما رأيت أدباءنا يتهربون من الميدان المسرحي، وترك هذا المجال الفكري الخطير ليعبث في ساحته، أناس عوام  أو أشباه عوام، لا يدركون خطورة رسالة المسرح وعظمتها، ومن هنا كان شعوري غامرا بالسعادة، وأنا أقرأ لأحد شعراء الطليعة الشباب هذا العمل المسرحي الجميل الأول من نوعه في الأدب الجزائري.
ثانيا : إن المسرح الشعري نفسه هو على جانب كبير من الخطورة، إذ فيه يتزاوج الفكر بقدسيته، والشعر بعظمته، والفن بروعته، وبما أنه شعر، والشعر غناء، كما يقول حسان بن ثابت، والغناء موسيقى، وهكذا تتيح المسرحية الشعرية للجمهور المتلقي الاستمتاع دفعة واحدة، بكل أشكال الفن وفروعه.
ثالثا : إن العمل المسرحي، أيا كان، قضية يخدمها، وهدفا يرمي إليه. والقضية هنا هي كشف الغبار التاريخي عن نضال شعبنا ضد الاستعمار الروماني، الذي خيم ظلامه على أرضنا، مدة تزيد عن الثمانية قرون، ظل شعبنا خلالها يقاوم بجميع طبقاته، ويسعى إلى التحرر والانعتاق من الظلم والعبودية، وأثناء هذا النضال المرير، برزت عدة بطولات شعبية ظلت تضحيتها معالم مجد وشرف، للقوافل المتتابعة للجهاد والحرية، الرافضة للذل، والاستبعاد ومن أبرز هذه البطولات، وهي كثيرة لا تحصى، بطولة ” أبوليوس” النوميدي المداوروشي الذي اتخذ منه حمدي، بطلا لمسرحيته الشعرية هذه. وشخصية هذا البطل تتضمن عدة مناقب، تستحق البقاء والخلود.
إن أبوليوس فيلسوف كبير، ملم بعلوم عصره، يضاهي في ذلك أكبر فلاسفة اليونان، وهو خطيب مصقع، تتضاءل أمامه بلاغة “شيشرون”  الروماني، وهو أحد رواد الرواية والقصة في العالم القديم، وإلى جانب هذا كله فهو قائد سياسي محنك، قاد نضال شعبه النوميدي ضد الرومان، بحنكة واقتدار ومقابل ذلك دفع الثمن كاملا، سجنا ونفيا من وطنه.
ولقد تتبع الشاعر أحمد حمدي في مسرحيته هذه حياة ” أبوليوس” في كل معاناتها وتجربتها، في الحب، وفي السجن، وفي المنفى. وفي نشاط العمل اليومي، وفي حفلات التكريم التي أقامها شعب قرطاجنة لعودة ابنها البار، من منفاه بطرابلس.
وعلى هذا الأساس تكون مسرحية ” أبوليوس” هذه لصاحبها أحمد حمدي تكتسي أهميتها الخاصة من كونها أثارت فينا من جديد قضية هذا المثقف العبقري الذي أنجبته تربة الجزائر الخصيبة وتتضمن هذه المسرحية، في النهاية، دعوة لأحفاد أبوليوس من المثقفين الجزائريين أن يعيدوا الاعتبار لأعمال أبوليوس العلمية والأدبية.

شارك بتعليقك