صالح زايد وقضايا الثقافة الوطنية

أقيمت قبيل اندلاع الحرب العالمية الثانية ، وبالضبط في العام 1938 احتفالات ضخمة تخليدا لمئوية تأسيس مدينة فيليبفيل Philippeville الاسم الاستعماري لمدينة سكيكدة، والمغزى العميق لتلك الاحتفالات هو تكريس فكرة الطابع الفرنسي للمدينة، فقد صارت تعج بكثير من العائلات الفرنسية والايطالية والمالطية والإسبانية ،،،، بينما حوصر الأهالي في زقاق العرب والضواحي والجبال، يدخلون المدينة نهارا للعمل كخدم عند المعمرين ، ويعودون ليلا الى أكواخهم البئيسة في الضواحي والجبال المتاخمة، بل وحتى هذه الضواحي قد استهدفت، فنشأت حولها مستعمرات وتشكلت فيها عائلات أوروبية ذات نفوذ قوي وسطوة شديدة، خاصة في سان شارل وغاسطانفيل وسطورة،،،الخ
في هذه الاخيرة اي سطورة ولد صالح زايد يوم 10 سبتمبر 1946 في عائلة فقيرة تم عزلها في الجبال المطلة على الشاطئ الكبير هذه المنطقة ذات طبيعة خلابة حيث الجبال والبحر والشاطئ يشكلون سمفونية فائقة الجمال والإبداع. اما بلدة سطورة فقد تم طرد العرب منها لتبقى منتجعا خاصا للاوروبيين ابتداء من الشاطئ العسكري الى شاطئ ميرامار ( ممنوعة على العرب والكلاب ) ويجب ان نذكر ان سطورة مدينة وميناء أسسه الفينيقيون، ونظرًا لجمالها الباهر أطلقوا عليها اسم عشتروت آلهة الحب والجمال، وبعد التحريفات اللغوية صارت الى اسم سطورة، تماما مثل اسم روسيكادة ( الرأس الوقّادة ) الفينيقية التى صارت الى سكيكدة
ورغم الثراء الطبيعي والخيرات التي تتمتع به سهول وشواطئ هذه المنطقة الا ان الفقر المدقع كان يهيمن على الأهالي فيما يعيش أفراد الكولون في رغد العيش، نشا صالح زايد وأقرانه في هذه البيئة المليئة بالمتناقضات ، على هوامش مزارع الكولون يرى بعينيه كيف يعيش هؤلاء في رغد العيش وكيف يعيش بني جلدته في شظفه، وفي مناخ من الحرمان والعوز؛ فلا تعليم ولا تكوين ولا مستقبل، الامر الذي جعل الأهالي ينطوون على أنفسهم ويتشبثون بما توارثوه عن اجدادهم من تقاليد وتراث شفاهي، وشيء من القران الكريم، هكذا كان جيل صالح زايد ،، جيل أطفال الثورة الذي وجد نفسه غداة استرجاع السيادة الوطنية العام 1962 امام واقع جديد فقد فاتهم سن التمدرس القانوني ، ومع ذلك اندفع اهلوهم لتعويض ما حرموا منه فدخلوا المدن التي كانت محرمة عليهم، واحتلوا الأماكن التي هجرها المعمرون ، كما اندفعوا نحو المدارس والمؤسسات التعليمية التي فتحت ابوابها في وجوه الجميع ، وللتغلب على عوائق السن فتحت لهم المدارس الليلية.
وفي هذا السياق تمكن صالح زايد من تدارك ما فاته من تعليم، بل وبذكائه الحاد استطاع أن ينجح في مسابقة الدخول الى الجامعة وذلك في دورة العام 1974 لينضم على اثرها الى المدرسة العليا للصحافة ، وينتقل الى العاصمة التي كانت تعج بالحراك الثقافي حيث في هذه السنة أعيد تأسيس اتحاد الكتاب الجزائريين تحت رئاسة الشاعر والروائي مالك حداد ، كما تم انعقاد المؤتمر الرابع للإتحاد العام للأدباء العرب.
ومما لا شك فيه أن هذه الفترة فد كانت غنية بالحراك الاجتماعي في مختلف اوجهه ، خاصة منه الثقافي الذي ظل مجمدا طيلة العهد الاستعماري، فظهرت على المستوى الوطني، الى جانب اتحاد الكتاب، الصحف والمنابر الثقافية، وتفتح الجامعة ، كما ظهرت تيارات فكرية وأدبية جديدة، وازدهرت فنون الشعر والقصة القصيرة، والرواية والمسرح وباللغتين العربية والفرنسية.
في هذا الجو نضج أطفال الثورة وبدأوا يؤطرون المجال الثقافي، حيث برز في مجال القصة والرواية كتاب مثل الطاهر وطار وعبد الحميد بن هدوقة، وفي مجال الشعر ظهر ما صار يعرف بجيل السبعينات الى جانب محمد العيد ال خليفة ومفدي زكرياء ومالك حداد وجان سيناك
وفي مجال الفكر ظهر الى جانب مالك بن نبي وعبد الله شريط وعبد المجيد مزيان بذور جيل جديد بدا يتشكل من صالح زايد وعمار بلحسن وبختي بن عودة . لكن للأسف رحل ثلاثتهم في ريعان شبابهم وفي أوج بداية عطائهم،
لقد كان صالح زايد من ابرز هؤلاء الشبان المفكرين الواعدين، فقد خاض العديد من المحاولات في مجال النقد الأدبي ، والتجارب الإبداعية ، وفي الأخير استقر عند التفكير الاجتماعي والتجديد الثقافي، ويمكن ان نقول انه قد جاء الى هذا الميدان من خلال التامل ؛ في دور المثقف ومسؤوليته في خدمة المجتمع وتطويره.
ويمكن ان نسجل ان مسيرة صالح زايد الفكرية قد مرت باربع مراحل يقابلها اربع محاور رئيسية تدرجت كالتالي :
– المرحلة الاولى؛ كرسها للبحث في (قضية الثقافة) ومفاهيمها ودورها في التنمية الشاملة.
– المرحلة الثانية ؛ خصصها للثقافة الوطنية، وركز فيها على ضرورة ( كتابة تاريخ الثورة المسلحة) وتقديمها للعالم بما تستحقه.
– المرحلة الثالث؛ كرسها لدراسة واقع ( الثقافة العربية الراهنة) خاصة بعد كامل ديفيد.
– المرحلة الرابعة ؛ وفيها قام برصد ومتابعة قضايا المجتمع وتحديد الموقف منها، كان ذلك عبر ( قضية وموقف).
وقد عكف؛ عبر هذه المراحل الأربع ؛ على كتابة سلسلة من المقالات، نشرها بصحيفة (المجاهد) الاسبوعي التي انضم الى هيئة تحريرها للقسم الثقافي عام 1980 تحت عنوان مركزي هو ( قضية الثقافة) ، وكذلك الامر بالنسبة للمرحلة الثانية التي كتبها تحت عنوان (كتابة تاريخ الثورة المسلحة ) والثالثة كتبها تحت عنوان (الثقافة العربية الراهنة)، اما المرحلة الرابعة التي كتبها تحت عنوان (قضية وموقف) فقد نشرها بجريدة “النصر” عام 1986.
ففي المحور المتعلق ب (قضية الثقافة) تطرق بالحديث عن ضرورة التخطيط الثقافي ( المجاهد ، العدد 1042 بتاريخ 25 جويلية 1980) حيث قام بإعداد جدول بأهم المشكلات الثقافية في الجزائر، مؤكدا على ان أهمها على الإطلاق هو العلاقة بين التشريعات وتطبيقها في هذا الميدان ثم تقييمها ثم محدودية المبادرة المحلية في هذا الميدان ناهيك عن شُح الإمكانيات المتاحة في هذا الشأن ويرى ان التخطيط يجب ان يتم بعيدا عن اعتباره عجلة خامسة، اي يلجأ إليه عند الحاجة فقط، بل يجب ان يكون أساسيا حتى تتم عملية الإقلاع والنهوض الحقيقي للمجتمع .
ويضيف في مقال اخر ( المجاهد العدد، 1044 بتاريخ8 اوت 1980) ان لا ثقافة بدون تخطيط ثقافي مرتبط بعجلة التنمية الشاملة ويؤكد :
( لكي يكون التخطيط الثقافي جادا وناجحا وفعالا لا بد اولا من تشخيص واقعنا الثقافي في نسقه العام وخصائصه الجزئية ، هذا التشخيص الذي ينبغي ان تتحدد على ضوئه المعضلات الثقافية بعيدا عن كل الطروحات التبسيطية التي ما فتئت ترى في تلك المعضلات الثقافية الفكرية مسائل ثانوية غير جديرة بالبحث)
ويبقى هاجس التخطيط الثقافي ـ الذي لم نعد نتحدث عنه في زمننا الراهن ـ عند صالح زايد مسالة أساسية حيث يؤكد في مقال عن (المسرح او فن تسييس الوعي) ( المجاهد ، العدد1045 بتاريخ 15 أوت 1980 )
( لا مسرح بدون تخطيط، ولا تخطيط مسرحي دون دراسة علمية شاملة لواقعنا المسرحي هاويا ومحترفا وذلك بغية الوصول الى تشخيص علمي لمشكلات المسرح عندنا)
وفي المحور الثاني يتصدى صالح زايد الى مسؤولية المثقف الجزائري ودوره في كتابة تاريخ الجزائر بصفة عامة وتاريخ الثورة المسلحة بصفة خاصة، عبر سلسلة من المقالات تحت عنوان ( كتابة تاريخ الثورة المسلحة… مسئولية كل مثقف )
وفيها يركز على فكرة أساسية تتعلق بدور المثقف في تطوير المجتمع، حيث يستهلها بتحديد المصطلحات والمفاهيم من أجل أن يضع القارئ في السياق الصحيح إزاء إشكالية دور الثقافة، ثم يقوم بشرح أفكاره التجديدية داعيا إلى أن يتحمل كل فرد مسئوليته في هذا الشأن، وقد شرع في نشرها ابتداء من العدد 1054 الصادر يوم 17 أكتوبر 1980 الى العدد 1059 الصادر يوم 21 نوفمبر 1980 وواضح انه اختار هذه الفترة الزمنية بدقة تامة، فهي تندرج ضمن فعاليات الاحتفال باليوبيل الفضي لاندلاع ثورة نوفمبر الخالدة، حيث طرح جملة من الأفكار الجديرة بالقراءة والمتابعة بل ولو أخذت هذه الكتابات بعين الاعتبار في ذلك الوقت من قبل السلطات الحاكمة لما انزلقنا نحو تساؤلات وانحرافات خطيرة خاصة منها تلك التي تتعلق بالهوية.
وبهذا الصدد يقول صالح زايد :
” ليس من الشعور باليقين القول بأن الثورة الجزائرية لم تجد حظها الأدنى من انشغالات الدارسين المتخصصين في تاريخ الثورات المعاصرة” ( المجاهد، العدد 1055 بتاريخ 24 أكتوبر 1080 )
وراح يحدد العوامل والأسباب التي ساهمت في تكريس هذا التقاعس ازاء ثورة زلزلت أركان الاستعمار , وألهمت الامم والشعوب دروسا وعبرا في مقاومة الاستعمار، فيذكر منها :
– تقصير المثقفين الجزائريين في اداء دورهم بغض النظر عن المثبطات
– طبيعة الاستعمار الاستيطاني والذي استولى على كل المصادر والمراجع التي يستند عليها الباحث
– ظروف نشأة الحركة الوطنية في بيئة عمالية محدودة التعليم.
وعندما يتحدث عن طبيعة الاستعمار الفرنسي يسجل الملاحظة التالية:( من بين الأساليب التي يعتمد عليها الاستعمار، والاستعمار الفرنسي خاصة، اضفاء طابع الشرعية على مخلفاته الفكرية- والثقافية ، وهي المهمة التي يتبناها مؤرِّخوه ومنظروه مجانا ، لكي يضمن استمرار ” شرعيته التاريخية” وقمعه بشكل غير مباشر اي تحرك فكري – ثقافي مضاد خارج مجال دائرة التوجيه المركزي للظاهرة الاستعمارية)(المجاهد العدد 1056 بتاريخ 31 أكتوبر 1980 )
ويقول في تحديده لاهمية كتابة التاريخ ودورها في تحصين الأجيال القادمة :
( ان كتابة تاريخ الثورة المسلحة يندرج ضمن الرغبة الأكيدة التي تمثل في نفسية اي مثقف جزائري نزيه ، وينبغي الا يرتكز السعي الى هذه الكتابة المعقدة على اختزال المراحل التاريخية وحصرها في مرحلة قصيرة ، وبالتركيز على توقيت اندلاع الثورة ، بل ينبغي ان ينصب الاهتمام ايضا على الدراسة والبحث عن جذور الاستعمار التاريخية ، وتعريتها تعرية كاملة لانه من حق الأجيال القادمة ان تعرف الحقيقة التاريخية دون التواء او لف او دوران)(نفس العدد)
ويؤكد انه لا يلقي بالمسؤولية على كاهل المثقفين بل يدعو الى ضرورة أداء كل طرف دوره ويؤكد انه من الناحية المبدئية يرمي الى هدفين : هدف تربوي يقوم به رجال التربية والتعليم بصفة خاصة، وهدف تثقيفي يلقى على عاتق المؤرخين والكتاب والسينمائيين وغيرهم.
ويتناول في المحور الثالث قضية الثقافة العربية المعاصرة، حيث يسجل غياب المصطلح العلمي الدقيق، ونجم عن ذلك ضبابية في الرؤى، مثل (اعتبار التراث نقيضا للمعاصرة) أو كما يقول:
“غدت النظرة الى التراث نظرة تجريد، وتأمل، وابتهال، أما النظرة إلى المعاصرة فانبهرت أمام صحة الوقائع المادية؛ علم، تكنولوجيا، إلكترون” (المجاهد، العدد 1046 بتاريخ 22 أوت 1980 )
ويعدد مشاكل الثقافة العربية الراهنة في :
ـ سيادة الجانب الفلكلوري
ـ إخضاع الثقافة للسياسة
ـ غياب المثقف الحقيقي
ـ إلغاء المختلف وتخوينه مثل قضية طه حسين والعقاد عملاء للصهيونية …الخ
وإزاء هذا الوضع كما يقول صالح زايد يلجأ المثقف الى الهجرة الذاتية أو الداخلية، وقد مر بها هو نفسه عندما ترك العاصمة وانعزل في الشاطئ الكبير، والهجرة الخارجية، وقد عاشها الكثير من المثقفين العرب خاصة بعد اتفاقيات كامب ديفيد وبذلك يتم إخلاء المكان ليعبث فيه المثقف (الصالوني) على حد تعبيره، الذي يردد عبارات ذات دلالة مبهمة مثل ( غياب النظرية الصحيحة) و( حضور مكثف للنظريات الخاطئة)
أما المحور الرابع والأخير فقد كرسه لمعالجة قضايا تتعلق بحاضر الثقافة حيث يطرح قضية ما ثم يحدد موقفه منها، مثل قضية اللغة العربية حيث “الاعلام الغربي يحصرها في نطاق الارهاب، ويعتبرها لغة الارهاب الوحيدة في العالم ، يحصرها فيه ليحاصرها به” ( النصر بتاريخ 01/10/1986) ويستثمر اعداء اللغة العربية في الجزائر هذه النظرة محاولين تجريدها من القيم الحضارية الكبرى التي أنارت طريق البشرية.

شارك بتعليقك