حديث البدايات

أجرت معي جريدة “صوت الاحرار” يوم 27 جوان 2016 حديثا مطولا حول الانخراط في العمل السياسي، بيد أن التركيز كان على البدايات ، خاصة منها المتعلقة بالتحصيل العلمي، وفيما يلي النص الكامل للحديث :
يتحدث الدكتور أحمد حمدي، عميد كلية كلية العلوم السياسية والإعلام والاتصال، الشاعر، وعضو اللجنة المركزية لحزب جبهة التحرير الوطني، عن مساره العلمي، ويوضح في هذا الحوار مع “صوت الأحرار” عن نشاطه السياسي وظروف التحاقه بحزب جبهة التحرير الوطني وانخراطه في عالم السياسة.
بداية، من هو أحمد حمدي؟
في البداية أودّ أن أعبر لكم عن عميق شكري وفائق تقديري لهذه الدعوة الرمضانية الكريمة، والتي تحاول أن تفتح نافذة على التاريخ والذكريات، وأقول بأني من جيل يتجنب الحديث عن النفس، ويرى في ذلك نوعا من الغرور أو شيئا من هذا القبيل، ونعتقد أن أعمال المرء هي التي تتحدث عنه، وفي هذا الشأن أقول إنه قد صدر لي حتى الآن 21 كتابا عن دور نشر كبيرة، في الجزائر وفي المشرق العربي، بعضها ترجم إلى لغات أوروبية وآسيوية، وكان بعضها موضوع دراسات وأبحاث جامعية، ماجستير ودكتوراه، وبعضها لحن من قبل كبار الملحنين مثل المرحوم معطي بشير، وصدحت به حناجر كبار الفنانين والفنانات، بل وأعتز أنني أول من نفض الغبار وأعاد الاعتبار لشخصية الكاتب الفذ والبطل الثائر صاحب أول رواية في التاريخ “أبوليوس المدوري “، وأشير إلى أنني ساهمت بشكل كبير في بلورة ما يعرف بجيل السبعينات في الأدب الجزائري، وتكريس مفهوم الشعر الحر وتحرير الشعر الجزائري من الروتين والمنبرية والمباشرة، كما أنني من المعربين القلائل الذين ورد ذكرهم والتعريف بهم في معجم لاروس الأدبي، إضافة إلى أنني ساهمت في تكوين أجيال وأجيال من الكتاب والصحفيين الذين يشكلون المشهد الثقافي الجزائري، بل والعربي، وأذكر أنني حائز على جائزة رئيس الجمهورية التقديرية لعام 1987 وجائزة يوم العلم العام 2005.
وماذا عن المسار الدراسي والمهني؟
بدأت مساري التعليمي في مطلع الخمسينات وبتاريخ لا أتذكره، بكتاب قرية “الجديدة ” بوادي سوف على يد الشيخ محمد الصالح قديري إمام القرية، ثم على يد الشيخ العروسي لحويتي الذي أسس وفتح أول مدرسة حرة بالقرية المذكورة سنة 1954 وهذا الشيخ خريج جامع الزيتونة بتونس وشاعر له ديوان مطبوع وأناشيد عديدة كان يلقنها لتلاميذه مشحونة بحب الوطن والدعوة إلى العمل.
والجدير بالذكر أن الحرمان والفقر والقهر كان مهيمنا على حياة السكان، الذين كانوا لا يخفون كراهيتهم للاستعمار واحتقارهم لأتباعه، علما أن نواة الثورة الأولى بمنطقة وادي سوف كانت بهذه القرية تحت قيادة ابنها الشهيد البطل حمه الأخضر، الذي كانت تربطه علاقات متينة مع مصطفى بن بوالعيد وشيحاني بشير وعباس لغرور ودخل معهم في نقاش حول ضرورة ترك منطقة سوف الحدودية ملاذا آمنا للثوار ومعبرا لقوافل التسليح، لكن حمة الأخضر رفض ذلك وقال لهم لا يمكن أن تندلع الثورة دون أن يزغرد الرصاص في قلب الصحراء، وبالفعل قام بأعمال بطولية ابتداء من معركة يوم 17 نوفمبر 1954 بل وفي رابعة النهار ليعلن بذلك القطيعة مع النظام الاستعماري ويعبر عن تصميم الثورة وقوتها في هذه المنطقة.
ونذكر أن كثيرا من الدارسين حين تصدوا لدراسة حالات الأطفال في الحروب يذهبون إلى أنهم الأكثر عرضة للرعب والقهر، وأن الخوف الذي يستولي عليهم يترك آثارا نفسية لا تمحى، خاصة منها تأثير المداهمات الليلية وعمليات التعذيب الجماعي ، ولهذا يصنف الباحثون أن أطفال الحروب ، وفي حالتنا نسميهم أطفال الثورة، هم أول الضحايا وأكثرهم عددا، هذا الوضع المؤلم والبئيس جعل السكان يفرون من هذا الجحيم إلى وجهات مختلفة، فبعضهم كانت وجهته تونس والآخر كانت وجهته عنابة أو الجزائر، ونحن كانت وجهتنا إلى مدينة سكيكدة في العام 1960.
وفي هذه الأخيرة كان الوضع يختلف تماما، فسكيكدة كانت مدينة كوسموبولتيكية، تعيش بها أغلبية عربية لكنها مهمشة في الضواحي وفي حي زقاق عرب، وأقلية أوروبية متكونة من فرنسيين وإيطاليين وإسبان ومالطيين وغيرهم يعيشون في رغد العيش، كان هناك نوع من التعايش الحذر بين السكان رغم أن القطيعة النهائية قد وقعت إثر هجومات العشرين أوت 1955.
كان سن التمدرس النظامي قد فاتني ولم يبق لي إلا الدروس الحرة، التي كانت تضمنها مدرسة الإرشاد المنتمية إلى مدارس جمعية العلماء المسلمين، وكذلك الزاوية بزقاق عرب، لم يدم هذا الوضع طويلا فقد بدأت بشائر الاستقلال تلوح في الأفق، لكن الاعتداءات التي أشعلت فتيلها منظمة الجيش السري OAS الإرهابية المتطرفة قد أحدثت قطيعة جديدة بين السكان بإتباعها سياسة الأرض المحروقة ونشر الرعب وتفشي الاعتداءات من جديد عبر زرع القنابل البلاستيكية في محلات ومساكن العرب ، واستعملت المدافع وأسلحة البازوكا التي دمرت محطة القطار الجميلة ومقر البلدية الذي أسقطت منارته ذات الطابع الأندلسي فالتأم السكان بأوامر من جبهة التحرير الوطني في جماعات للدفاع الذاتي، فحرمت الأحياء العربية على الأوروبيين كما حرمت الأحياء الأوروبية على العرب، أمام هذا الوضع لم يعد هناك أي طريق أو معنى للدراسة.
لم يدم ذلك الوضع طويلا فقد بدأت قوافل الأوروبيين تنزح نحو البواخر بالميناء بينما راح الجزائريون يعبرون عن فرحة الاستقلال بأعراس شعبية لا توصف واقتحام الأماكن التي كانت ممنوعة على العرب والكلاب ، وفي غمرة ذلك فتحت المدارس أبوابها لأبناء الشعب وهو أول حلم يتحقق بعد حلم الاستقلال، بل وجرت حملة كبيرة لاستدراك ما فات من خلال المدارس الليلية التي انتشرت بسرعة خارقة، فصارت المدارس لا تغلق أبوابها بعد المداومة النظامية، بل تفتح أبوابها لمن فاتهم السن ليواصلوا دروسهم وفي هذا الإطار سجلت لمواصلة الدروس في مدرسة حي الأمل سنة 1963 وبعد عامين جرى أول امتحان لشهادة التعليم الابتدائي بمدينة سكيكدة باللغة العربية “قبل ذلك كان يجري الامتحان في قسنطينة” فدخلت هذا الامتحان وكنت من أوائل الناجحين واصلت التعليم المتوسط بنفس المدرسة وبعد سنة دخلت امتحان شهادة الأهلية للعام 1966 وجرت حينها بمدينة عنابة ” لم يكن بسكيكدة أيضا مركز امتحان ” وكان الامتحان يجري على مستويين ” كتابي وشفاهي” وقد نجحت في الكتابي ضمن اربع ناجحين على مستوى سكيكدة كلها، لندخل الشفاهي لم يبق من سكيكدة إلا المتحدث وزميل لي في مدرسة حي الأمل وهو بومسحل الطاهر، وأثر ذلك باشرت التحضير للبكالوريا وفي نفس الوقت انضممت إلى سلك التعليم الابتدائي كمعلم مساعد بمدرسة الغزالي “فيرديناند بويسون، سابقا” وكنت بها أصغر المعلمين بالعربية لكن أعلاهم رتبة أي معلم مساعد، ثم انتقلت سنة 1968 إلى مدرستي الأولى حي الأمل.
واصلت التحضير لاجتياز امتحان البكالوريا التي كانت في هذا الوقت تتكون من جزأين وفي دورتين، وفي غمرة التحضير استمعت عبر الإذاعة إلى إعلان عن فتح مسابقة للدخول إلى المدرسة الوطنية العليا للصحافة تتصادف مع التحضير لامتحانات البكالوريا، لقد كان لي حب كبير للصحافة خاصة وإنني قد بدأت في نشر قصائد وقصص قصيرة في المجاهد الأسبوعي والشعب منذ بداية العام 1966 لم أتردد كثيرا في اختيار دخول المسابقة على حساب امتحان البكالوريا،
وكانت هذه المسابقة تجري على مرحلتين كتابية وشفاهية، كنت من أوائل الناجحين في هذه المسابقة، وبذلك غادرت سلك التعليم بسكيكدة وانضممت إلى دراسة الصحافة في العام 1969 أي الدفعة الثالثة لهذه المدرسة العليا التي أسست العام 1964 وأتذكر بهذه المناسبة انه في شهر نوفمبر 1969 قام الرئيس هواري بومدين بتدشين أول حي جامعي في الجزائر المستقلة، وفي الحقيقة هو توسعة للحي الجامعي الذي تركه المعمرون ببن عكنون وكنت من المستفيدين من غرفة في هذا الحي فتسلمت المفتاح من يد بومدين والذي زارني في الغرفة رفقة احمد طالب الإبراهيمي والمرحوم عبد المجيد اعلاهم ، لم يكن بومدين كالصورة التي نعرفه بها متجهما عبوسا لا تعرف الابتسامة طريقا إلى وجهه، بل كان ضاحكا ومتبسما ومنكتا، ثم سائلا عن الدراسة فأخبرته بأنه للأسف لا يوجد أساتذة جزائريون غير المدير محمد الميلي، وحاثا على أخذ العلم فالجزائر تحتاج إلى ذلك ، وكان لي معه حديث طريف، قد أرويه في مكان آخر.
أجريت امتحانات السنة الأولى في جوان العام 1970 وكنت من المتفوقين الأمر الذي سهل لي الالتحاق بالمجاهد الأسبوعي في شهر أوت ضمن مجموعة من طلبة السنوات الأولى والثانية والثالثة ، من ضمنهم اذكر محمد عباس من السنة الثالثة وسعد بوعقبة من السنة الثانية والمتحدث من السنة الأولى.
في المجاهد اخترت الانضمام إلى القسم الثقافي لميولي الأدبية، وفي هذا الجو دخلت عالم الثقافة فتعرفت على رموزها آنذاك، من بوعلام تيتيش الذي كان يملك حانوتا بالقرب من مقر الجريدة بساحة الأمير عبد القادر، ملاصقا لمقهى المليك بار الشهير، الذي فجرته الثورة ضمن أهداف حددتها قيادة جبهة التحرير الوطني إبان معركة الجزائر الشهيرة ، كرد على الأعمال الإجرامية التي قامت بها عصابات الأقدام السوداء ضد المواطنين الجزائريين العزل ، وكانت واضعة القنبلة بهذا المقهى هي المجاهدة الزهرة ظريف ، قلت من بوعلام تيتيش إلى الفنان الكبير المجاهد مصطفى كاتب مؤسس الفرقة الفنية لجبهة التحرير الوطني سنة 1957 ومدير المسرح الوطني في ذلك الوقت ، إلى الممثل الكبير المجاهد المسرحي عبد الحليم رايس إلى الفكاهي الفذ رويشد ، وفنانة الحوزي ذائعة الصيت فضيلة دزيرية،، الخ إلى فناني المغرب كعبد الهادي بلخياط وعبد الوهاب الدوكالي والمسرحي الطيب الصديقي،، الخ وتونس كعلى الرياحي، والملاحظ أن الكتاب والأدباء باللغة العربية قد كانوا شذر مذر، فاتحاد الكتاب المؤسس سنة 1964 لم يبق إلا في محفظة مولود معمري كما كان يقول مالك حداد، والنشاط الثقافي والفكري يكاد يكون منعدما، بيد أن الانتاج الأدبي باللغة الفرنسية كان مزدهرا نسبيا ، وكانت قسنطينة مركز استقطاب عدد معتبر من الكتاب الذين تحلقوا حول جريدة النصر منهم كاتب ياسين ومالك حداد وأحمد ازقاغ ومحمد الصالح دمبري وغيرهم.
في العام 1978 فتح باب الدراسات العليا “الماجستير” في الدراسات الإعلامية، فكنت ضمن الدفعة الأولى لهذا التخصص الجديد، علما أنني سجلت منذ العام 1975 في الدراسات العليا المتخصصة- علم الاجتماع ، أعددت رسالة الماجستير حول موضوع ” مبادئ الإعلام والدعاية لدى جبهة التحرير الوطني وتطبيقها في المجاهد من 1956 إلى 1962″ ناقشتها في جانفي 1986 وهي ثاني أو ثالث رسالة جامعية في هذا التخصص الجديد بجامعة الجزائر، ثم سجلت وناقشت أطروحة دكتوراه الدولة حول موضوع ” الخطاب الأيديولوجي الجزائري عبر الصحافة الوطنية”.
في سنة 1972 كلفت بتغطية الأسبوع الثقافي القسنطيني وكان يحظى بعناية خاصة، وأطلق خلاله إن لم تخني الذاكرة، اسم يوم العلم على 16 إفريل، ذكرى وفاة الشيخ عبد الحميد بن باديس، حضر المناسبة عدد كبير من الكتاب ولم يكن من المعربين إلا محمد الميلي وكان ضمن الوفد الرسمي، وجروة علاوة وهبي باعتباره صحفيا من جريدة النصر، التي خاضت آنذاك غمار التعريب بصفحتين، والمتحدث باعتباره صحفيا من صحيفة المجاهد، أما بالفرنسية فقد كان منهم مالك حداد، وجان سيناك، ويوسف السبتي وشكيب حمادة وحسني قيطوني وشارل بون الأستاذ بجامعة قسنطينة وأحد كبار المتخصصين في الأدب المغاربي وله عدة مؤلفات وموقع إلكتروني في هذا الشأن، وعدد كبير من الكتاب والشعراء لم أعد أتذكرهم.
تبين لي ذلك الشرخ الواقع بين مجموعتين من الكتاب ، مجموعة رسمية تحظى بعناية وزير الثقافة شخصيا وعلى رأسهم مالك حداد ومجموعة متمردة ومهيمنة على فعاليات الأسبوع وعلى رأسهم الشاعر جان سيناك، المكلف بتنشيط الندوات الفكرية والذي ما أن علم أني معرب ولي ميول أدبية حتى دعاني كما دعا الصحفي المعرب الآخر علاوة وهبي إلى إقامة أمسيات شعرية بالعربية وكان يرى أنه من غير المعقول أن تكون العربية غائبة عن هذا الأسبوع القسنطيني، علما أنه لا يعرف اللغة العربية ويحاول أن يتعلم أبجديتها، وصدر عن الورشة الأدبية التي أقيمت لتقييم الوضع الأدبي والثقافي “كانت تضم سيناك والمتحدث وعلاوة وهبي ويوسف السبتي وشارل بون وحسني قيطوني وآخرين”، وانعقدت بكلية الشعب، بيان الشعر الجزائري الذي يعتبر إشارة الانطلاق إلى ما عرف فيما بعد بجيل السبعينات، تصدر البيان الصحف المعربة بينما تجاهلته الصحف المفرنسة.
كيف قررت ممارسة السياسة؟
في الحقيقة أنا لم أقرر ممارسة السياسة، بل هي التي قررت ذلك، يوم اخترت الصحافة التي تسمى أيضا السلطة الرابعة ، فقد انضممت إلى أسرة تحرير المجاهد اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني العام 1970 وهذه الجريدة تنتمي إلى الصحافة الحزبية أي السياسية، غير أنها لم تكن تضع أي شروط تتعلق بالانتماء الحزبي بالنسبة لصحفييها، بيد أن تكويني وانتمائي العائلي يصب في خانة الوطنية والتحرر والثورة وهي العمود الفقري لاديولوجية حزب جبهة التحرير الوطني، ظل ذلك انتماء فكريا ينتقص إلى الممارسة النضالية التي بدأتها في العام 1975 عبر قسمة برج الكيفان، و تتعمق التجربة أثناء المناقشات الكبرى التي صاحبت الميثاق الوطني العام 1976، حيث ساهمت في النقاشات بفعالية، بل واختارني المناضلون في قسمة برج الكيفان لأكون مقررا لورشة النقاش هذه.
وفي سياق مواز كنت أنشط في اتحاد الكتاب، ضمن اللجنة الثقافية، التي كان يشرف عليها الدكتور عبد الله ركيبي، علما أن مالك حداد الأمين العام للاتحاد آنذاك قد قرر التوقف عن الكتابة بالفرنسية، التي يقول عنها إنها منفاه ويعمل على فسح المجال إلى الأجيال الجديدة من الكتاب وخير من يفتح له نافذة على ذلك هو الدكتور عبد الله ركيبي عضو الأمانة الوطنية للاتحاد والذي كانت تربطه بجيل الشباب عدة روابط وقيم، تبلور ذلك في التقرير الذي تم إعداده حول رأي الكتاب في مختلف النقاط التي تطرق لها مشروع الميثاق الوطني.
في العام 1977 انتهت العهدة الأولى للاتحاد برئاسة حداد/ ركيبي ولم يرغبا في مواصلة عهدة ثانية فترشحت للمجلس الوطني وكنت من الفائزين، ثم تم انتخابي من قبل المجلس عضوا في الأمانة الوطنية رفقة الطاهر وطار ومحمد أبو القاسم خمار وعمر البرناوي ومحمد مصايف وعمار بلحسن ومحمد مصطفى الغماري وعلاوة وهبي ومصطفى فاسي، حيث كلفت بالعلاقات الخارجية، فعملت بكل قواي على أن يتبوأ الاتحاد مكانته المرموقة إن على المستوى الإقليمي ” المغاربي، العربي” وإن على المستوى الدولي ” الآسيوي، الأفريقي ” وهكذا وجدت نفسي في خضم الممارسة السياسية ذات الطابع الثقافي أو ما يسمى اليوم بديبلوماسية المجتمع المدني .
لقد كانت الحياة الثقافية في هذه الفترة مزدهرة فهناك على الأقل أربع نشاطات أسبوعية في كل من اتحاد الكتاب وقاعة النفق الجامعي والمركز الثقافي الإسلامي، وقاعة الموقار للأمسيات الشعرية، كما كانت هناك مقاهي عبارة عن نوادي ثقافية متخصصة، أذكر منها مقهى اللوتس للأدباء والنوفلتي للسينمائيين وطانطانفيل للمسرحيين والفنانين، كنت أنشط في كل هذه الجبهات، سواء باعتباري عضوا في الهيئة التنفيذية لاتحاد الكتاب أو باعتباري صحفيا في القسم الثقافي للمجاهد الأسبوعي.
في العام 1981 انعقد مؤتمر اتحاد الكتاب ورأى الحزب أن يولي ذلك أهمية خاصة فعقد المؤتمر في قصر الأمم وحضره العديد من الوفود الأجنبية ” وخاصة؛ اتحاد الكتاب التونسيين واتحاد الكتاب المغاربة، ورابطة الكتاب الليبيين واللبنانيين والسوريين والفلسطينيين والاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب، وكذا اتحاد الكتاب اليوغوسلاف واتحاد الكتاب السوفييت واتحاد الكتاب الأفرو آسيويين ” أعيد انتخابي في هذا المؤتمر ضمن الهيئة التنفيذية لأتولى حقيبة النشر والتكوين تحت رئاسة الدكتور العربي الزبيري، وتعتبر هذه الفترة من أزهى وأخصب فترات الاتحاد، حيث فتح المجال واسعا أمام الشباب وتم تنظيم العديد من المهرجانات الأدبية، لعل أشهرها مهرجان محمد العيد آل خليفة ببسكرة، كما أشرفت على تأسيس مجلة الاتحاد “الرؤيا”.
في العام 1985 عملت أطراف على تحجيم نشاط اتحاد الكتاب، فأقنعت قيادة الحزب بدمج اتحاد الكتاب واتحاد الصحفيين واتحاد المترجمين في هيئة واحدة ، كان رأيي ضد هذا الدمج لاعتبارات موضوعية ” الكتابة هواية، الصحافة مهنة، الترجمة تجارة” لكن القرار اتخذ وعقد مؤتمر التنظيم الجديد لأجد نفسي رئيسا لفرع العاصمة لاتحاد الكتاب والصحفيين والمترجمين، وخضنا معركة إثراء الميثاق الوطني لسنة 1986، وكان هناك تياران كبيران، تيار يريد انفتاحا على الطريقة الساداتية وتيار يريد أن يحافظ على قيم ومبادئ نوفمبر، وانتصر التيار الأخير، لكن التيار المهزوم ظل ينشط في الخفاء ، وفي إفريل1987 قام منه مجموعة من الصحفيين باجتماع غير مرخص بمقر اتحاد الكتاب، وباعتباري رئيس فرع الاتحاد فقد رفضت أن يواجه ذلك بالقمع بل بالحوار، وبالفعل عقدت عدة اجتماعات مع الناشطين في هذه الحركة، لتخرج إلى العلن عبر العديد من الجمعيات العامة التي كنت أترأسها أنا شخصيا، تحت اسم حركة الصحفيين الجزائريين، لكن وبمحض الصدفة اكتشفت أن هناك خيوطا في السلطة تحركها، تحضيرا لأكتوبر 1988، بقيت على مضض لكن في العام 1989 قررت الانسحاب بصمت، ومن ذلك الوقت تشتت الصحفيون ولم يعد لهم اتحاد، ولا من يعمل على تنظيم هذه المهنة الشريفة.
أحمد حمدي المناضل، لماذا يستنكف عن خوض المعارك السياسية؟
أعتقد أن ذلك يعود إلى التكوين النفسي والقيم التي نشأنا عليها، والمبادئ النضالية التي تشبعنا بها، والتي تنطلق من فكرة أن المسؤولية تكليف وليست تشريفا، وكان من المستنكرات أن يطلب المناضل منصبا، بل يكلف من قبل المناضلين للقيام بتمثيلهم، قد يبدو هذا- وفي زمننا هذا- شيئا من المثالية، ولكنه الواقع كما هو، أما المعارك السياسية المتعلقة بالمبادئ فلا نتوانى أبدا عن خوض غمارها.
من أثر فيكم من الشخصيات السياسية، وطنية وأجنبية؟
يمكن أن أذكر أنني تأثرت بالكثير من الشخصيات السياسية؛ فعلى صعيد الشخصيات الوطنية أذكر الثائر أبوليوس المدوري، وابن تومرت وعبد المؤمن بن علي وحمدان بن عثمان خوجة والأمير عبد القادر، والأمير خالد ومصالي الحاج وعبد الحميد بن باديس ، ومفدي زكريا وقادة الثورة.
وعلى صعيد الشخصيات الدولية يمكن أن نذكر غاندي وجمال عبد الناصر وهواري بومدين وجوزيف بروز تيتو وتشي غيفارا ونلسون مانديلا.
صوت الاحرار 27.06.2016
http://sawtalahrar.net/

شارك بتعليقك