جدير بأن يقرأ

حومة الطليان
بقلم: مخلوف عامر

في هذا النص ينقلنا د.”أحمد حمدي” إلى أجواء حرب التحرير انطلاقاً من وهران العريقة في مقاومتها الغزاة. وهران التي تقف فرساً جامحاً على ضفاف المتوسط، يحرسها “سيدي الهواري” من موْقعه هناك، بينما تتلصُّص على هذا الولي الصالح  سانتا  كروز من موقع أعلى . ويربض في مرساها الكبير أسطول تكنَّر لأمه فرنسا ليدعم حكومة  معبودها بيتان ويرفض الالتحاق بمقاومة النازية


كما يتربَّع وسط وهران هذا الكاتب الكبير بطاعونه”ألبير كامو”، هذا الذي لم تكن لديه بذرة إحساس تجاه وفاة والدته كما يحصل مع سائر البشر. يظهر عليه الإجهاد والتعثُّر وهو يكتب (الطاعون). كان ينطوي على شخصية حساسة ومعقدة. ((والغريب أن هذه النزعة الإقصائية قد طالت حتى اسم عائلته بحيث لم يتردَّد في تحريفه وتغييره من خموس إلى ” Camus “حتى يتلاءم مع النطق الفرنسي))ص:3
لكننا لا نلبث أن نترك وهران بكاتبها والعرب الذين ليسوا في تقديره وتقدير المستعمِرين سوى جرذان لا تستحق الحياة، وينبغي سحقها إذا لم يقْضِ عليها الطاعون.
لينقلنا الكاتب إلى سكيكدة وفيها إلى “حومة الطليان” تحديداً. هذا الحي الذي سيكون بؤرة الأحداث.يسكنه أغلبية من العرب وعدد قليل من الفرنسيين واليهود وجنسيات أخرى من المستقدَمين .لكن العرب هم الذين يعانون الفقر والتمييز العنصري.
ومن خلال شخصيتيْن تؤطِّران النص السردي من بدايته إلى نهايته هما :”الأخضر مهني”وابنه “بوجمعة”، يتجسَّد الصراع بين الأنا والآخر.
فأما الآخر، فهو المستعمِر الذي ينعم بخيرات الوطن ويُقصي الأهالي.يمارس أبشع وسائل القمع.يفصل بين الأوربيين والعرب. يداهم الأحياء العربية بطرق عشوائية لا تمييز فيها بين رجل وامرأة ولا بين كبير وصغير.
لذلك كان”بوجمعة” التلميذ في إحدى الثانويات ضحية إحدى هده الحملات، ولما لجأ مع صديقيْه إلى بيت امرأة يهودية كان الوحيد الذي طردتْه من بيتها لأنه عربي، ولا يمكن أن يختلف عن غيره من العرب الأعداء. ويستغرب الطفل هذا التمييز ويتعجب لصمت صديقيْه وكان من المتوقَّع أن يتضامنا معه عوض أن يلوذا بالصمت وينْجُوا بنفسيْهما.
يُحبَس الطفل مع جموع من الموقوفين حيث يخضع للاستنطاق بألوان من التحقير والإذلال ويتعرَّض للتعذيب بواسطة الضرب والصعق بالكهرباء. مقيَّداً في غرفة مظلمة تملأها الأوساخ والروائح الكريهة التي تخنق الأنفاس. إلى أنْ يتعافى إلى حد ما بعدما يُنقل إلى المستشفى .
لكن بعدما يطلقون سراحه يُفاجأ بإقصائه من الثانوية بحجة التغيُّب.
في ذات الوقت يكون والدُه قد أُوقِف حين خرج يبحث عنه، ولم تنفعْه شهاداته التي تثبت مشاركته إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية يوم جُنِّد إجبارياً وأبلى البلاء الحسن واستحق الترقية. ذلك لأن((العربي عربي ولو كان الكونونيل بوداود)).
يظهر الآخر بوجهه الهمجي بالرغم مما يدَّعيه من تمدُّن وتمدين-من خلال قساوة شرطته وعنف مظلييه بخنق المواطنين بحظر التجوُّل وفي المغارات بالدخان وفي السجون وقاعات التعذيب وإتلاف الآثار التاريخية النادرة.
كما يبرز الآخر بوجهه الهمجي أيضا بذراعه الملطَّخة بدماء الأبرياء في ممارسات اليد الحمراء.ترتكب المجازر في حق الأبرياء، فتفجِّر قاعة أطفال الكشافة وتفجِّر السينما لأنها تعرض أفلاماً عربية بدعوى أنها توقظ النزعة القومية فتحيي الهوية وتحرِّض على المقاومة.
وفي المقابل، يحضر الأنا من خلال جبهة التحرير، فتسعى الجبهة بتنظيمها السري المُحْكم إلى معاقبة من يخالف أوامرها القاضية بمنع التدخين والسُّكْر والسرقة بتطبيق أحكام الشريعة. وهي تبُثُّ عيونها في أماكن لا يتوقَّعها العدو، ولها مناضلوها في سائر الأحياء لذلك تتمكَّن من الرد على مسؤولي الشرطة واليد الحمراء بالاغتيالات والتفجيرات المدروسة والتي لا تستهدف الأبرياء من أية جنسية كانوا. فلقد بلغت درجة من التنظيم عالية بحيث تتحوِّل كل جنازة إلى مظاهرة سلمية يردد فيها المشاركون وقد أطَّرهم مناضلون سرِّيون-((الله أكبر لا إله إلا الله محمد رسول الله)).
وفي هذه الحالة من التضييق والقتل والإذلال، لم يجد “الأخضر مهني” من مخرج إلا أن يلتحق بالثورة فهي في حاجة إلى الاستفادة من خبرته، كما أنه كان يتوق إلى اليوم الذي يتلقَّى فيه مثل هذا العرض النبيل لعلَّه يُقدِّم لوطنه خدمة جليلة. وتتكفَّل الجبهة أيضاً بابنه “ّبوجمعة” فتُرْسله سرّاً في بعثة لمواصلة دراسته خارج البلاد.
ولا يُغفل الكاتب بعضاً من أولئك الفرنسيين الذي يتحلَّوْن بقيم إنسانية جعلتهم يتعاطفون مع الجزائريين منهم “فلورا”و”جاكلين” أو الطبيب الشيوعي.ولو أنهم يمثلون أقلية. بخلاف أغلبية اليهود الذين عَلِقوا بمرسوم” Crémieux” لأنه منحهم حق الجنسية الفرنسية فانضمُّوا إلى صف العدو أو التزموا الحياد في أحسن الأحوال.
إن هذا النص- ونحن على أبواب الذكرى الستين لاندلاع ثورة 1954- يبدو لي بوجه ما درساً سردياً عن ثورة كان لها صداها المدوِّي في العالم، وأثرُها العميق في حركات التحرر، ولو أن جبهة التحرير في النص ترتسم في صورة ملائكية، علماً بأن “د, أحمد حمدي” لا تخفى عليه حقائق كثيرة وهو المهتم بتفاصيل التاريخ والحريص على التوثيق. فيما أعلم.
حين يميل الدكتور”حمدي” إلى وصف المناظر الطبيعية أو سلوكات الناس إنْ في وهران أو في سكيكدة، فإن الوصف لا يأتي مقصوداً لذاته بقدر ما يزرع وينمِّي في نفس القارئ نزعة حب الوطن وواجب الدفاع عنه، ويحضُّ- في الوقت نفسه- على كراهية الظلم والتسلُّط ولو تلبَّس بثوب التحضُّر المزعوم. ويأتي ذلك بلغة شعرية سهلة تُشجِّع على الاسترسال في القراءة بلا عقبات، وقد تعود هذه الميزة إلى ما اكتسبه “د. أحمد حمدي” من تجربته الشعرية التي عرفناه بدأها منذ عشرات السنين.
فالنص –في تقديري- يختصر مسافة كبيرة أمام قارئ لم يشهد الثورة أبداً، ولم يعيشْ ظروف القهر والمعاناة التي عرفها آباؤه وأجداده، ولا يعدم أنْ يفيد مما يرد فيه من إشارات تاريخية ووقائع لا شك في وثوقها. وإن كان حرصُه على التفاصيل التاريخية كثيراً ما كان يُخرج العملية السردية من دائرة التخييل ليقترب أكثر من دائرة التسجيل.
يتأكد من خلال هذا النص وغيره، أن الأدب الجزائري –شعراً ونثراً-كان وسيبقى يستلهم الثورة بوصفها مرجعاً للذكرى والحنين أو لنقد الواقع إحساساً بالخيْبة أو لاستشراف مستقبل واعد.
فـكأنَّ “د.أحمد حمدي” يقول للقارئ- من خلال هذا النص- هذه هي الثورة كما شاهدُتها في طفولتي أو عشت بعض وقائعها المؤلمة، وأثريْت ذلك بما وقع بين يديَّ من كتابات عنها. فإنها وإن هي غابت من أذهان بعض الناس أو تنكَّر لفضلها بعضُهم الآخر ، فإن صورتها باقية – ها هنا- محفوظة حبراً على ورق. سواء لهذا الجيل أو للقادم من الأجيال. وقد حاولتُ أن أرسم لها صورة من موْقعي، وبطريقة سردية لعلها تشحنها بنصيب من التشويق.

https://www.facebook.com/notes/amer-makhlouf/%D8%AC%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D9%8C-%D8%A8%D8%A3%D9%86%D9%92-%D9%8A%D9%8F%D9%82%D8%B1%D8%A3/710046175748177

شارك بتعليقك