فضاء أحمد حمدي

 

قائمة المغضوب عليهم

موجز للأخبار
بحجم المسألة

اسمك كان المبتدأ،
وكانت النهاية السقوط في العينين؛
كان الحلم أولا؛ بحجم الأرض؛
فيها الشجر الواقف كالجبال،
والتماثيل التي ارتكبت بحضورها الحب،
وفيها الموت، والحياة؛
فيها الساقطون، والراضون؛
فيها المطر الصيفي
فيها الفقراء.
ثم استحال الحلم ورقا خريفيا؛
تساقطت أجفانه في الوحل؛
كانت الوحوش مطرا- يحترق
الزيت ، وفي المسام
يحرق العرق.
اسمك كان المبتدأ..
يا امرأة؛ كالشمس؛
يا غزالة الصحراء؛
يا أدغال إفريقيا؛
تنفجر الشهوات..
انكسرت أعمدة الضوء..
تحول الحب رصاصا..
زخت السماء
انثقب القمر.
تساقط الورد / بكى الحمام / انحنت النخلة/
في عجاجة المساء / سافر الوجه الغريب /
انتحر القدر.
يا امرأة كالشمس..
يا أدغال إفريقيا..
يا غزالة تدخل لب القلب دون رخصة؛
تكتب شيئا فوق الصفحة الأولى
تحاور الجبين لحظة،
تنسى العيون في المغارات/ تنام فوق الطين /
ترتمي فوق الرصيف الآخر المعقوف/
ترتجي / ترحل فجأة / اقتحم الصمت / البكاء / ..آه
” أبعد البعداء
من كان بعيدا عن محل قربه”
يكبر شكل الحلم في العينين؛
كنت مطرا؛
كنت ثمارا في الدوالي دانية؛
كنت نخيلا؛
كنت موسما لهذا البلح الأصفر؛
كنت في شفاه الصبية الحفاة بسمة وأملا؛
كنت إلى العشاق قمرا؛
وكنت للثوار بندقية،
حزام خرطوش / تمردا / حرب عصابات /
وكنت غضبا.
يكبر شكل الحلم في عيون فقراء وطني،
تحترق المراحل / الحواجز.
الحلاج يغزو حلقات الذكر
تنطلق الثورة من رصيف الشارع الأيسر
يمرق الأشخاص / الورق المقوى /
يجادلون الموتى؛
في شرعية النظام،
في إيديولوجيات المعارضين؛
تنزع الستائر السوداء من نوافذ البيوت؛
يخرج يونس السجين من أحشاء الحوت؛
فجاءة ينتحر السكوت :
احبك..إن الوجد يملأ خاطـري!
وعيناك في دنياي فيـض مشاعـر
تماديت في البعد الهلامي فانحنت
أمــانيّ أغصـانا بــدون أزاهـر!
جوادي بأفق الغيب يطعنه الدجى..
وعـاد بلا سرج جريح الخواطـر
فامضغ صمتي.. مات أيوب بالأسى
واقـرع سني.. يا شقا كل صابـر!
فإن السموات التي أمطـرت أسى
لتمطـر للثـوار نصـر الجزائـر
وحدك كنت تغزو حلقات الذكر!
كنت/ في بغداد/ في القصبة/ في دمشق
في شوارع المدينة/
يداك في معطفك الجلدي؛
تبكي في سواحل البلاد؛
تضحك صادقا، أو كاذبا،
في ساحة الثورة والتحرير.
يملأني شعور؛
بالموت..بالدمار..بالغربة
احن بالبكاء:
كان في الحان شاعـر
يمـلأ الحـان بالغـناء
عـاد للأرض مــرة
فـرأى الناس في شقاء
بضعهم حاكم بلا
حكـم وبعضـهم ببغاء
فرمى العود وانصرف
يملأ الحـان بالبكـاء
ودعــاني إلى .. إلى !
و لم يكن مستحيلا
بان يجيء المجاهد
سكيكدة 1974

قائمة المغصوب عليهم

أتدحرج فوق سلالم منازلنا المنخورة

ويدي اليمنى في جيبي الأيسر
ويدي اليسرى غارقة في غابة ثلج..
أدخل صخب الشارع؛
تحتد ضلوعي باحثة؛
عن جسدي الضائع؛
في بئر الصمت.
أتحسس رأسي
المتأرجح؛
في قائمة المغضوب عليهم
معروقا يتدلى كثدي عجوز !
أتحسس رأسي..
ألمح شرطة عصر الموت وقوفا؛
في ساحات أثينا واسطنبول؛
وجه أنجيلا اصفر..
في أقبية الموت المتأخر؛
لوركا يحمل بين ضلوعه مدريد الخرساء؛
ويهرب..
زوربا اليوناني ما ارتد !
ولم يكمل رقصته المسكين؛
فحزت رقبته في بيت ريفي مهجور.
في أخر لحظة
انتحرت أم عربية
حزنا، في آخر هذا الليل،
على جندي عربي؛
ألقى نفسه في عرض البحر،
ولم يرض بالصمت المطبق.
ألمح واشنطن في بركة دم
أتحسس رأسي؛
تتوالى قائمة الموتى,
يجهش مذياعي الحجري؛
فتطفو أنهار الفيتنام
بجثث الأطفال!
أتحسس رأسي.
أعري في صخب الشارع
اصرخ..
اصرخ..
اصرخ.
يا زمن الوصل:
تعال ..
تعال.
أتأوه ..؛
يفلق راسي الغثيان ـ الدوار
فأنهار.
أذكر قائمة المغضوب عليهم؛
أتحسس راسي!
أذكر قائمة المحظورات،
في عصر الموت:
الحب..الميلاد..الكتب
الأرض..الشعر..الثورة
يا شرطة هذا العصر؛
مواخير المدن / القيح /
المدنية؛
هذا أنا؛
جسد فوق الأوراق.
أتحسس أقدام الآتين؛
تغوص جذوري في الأرض..
اشتدي..
امتدي..
اشتدي..
امتدي.
يا زمن الوصل
تعال..
تعال
الجزائر1972

مقاطع من رسالة خاصة

في اليوم الأول من هذا العام؛
أكتب ـ يا أمي ـ كلماتي اصغر من حزني
الصاعد من اقبية الزمن المتعفن.
أكتب … لكن
قد صار الحزن بحجم الأرض،
فلا قوة للحرف المدمى
أن يحمل أكثر
من حده.. !
أكتب؛ في آخر ساعات الليل الغافي؛
كالقطة منذ صباح اليوم الأول؛
في نزل رطب تسكنه الجرذان
وبقايا الفرقة والأحزان.
في نهج مهجور يحمل اسم شهيد؛
مات- كما يحكي- في ظرف غامض؛
في آخر طرف من حي القصبة.
أكتب .. لكن المتنبي !
يستوقفني
فأردد :
آه … من كلماتي عليك !
آه … من كلماتي عليك !
آه … من كلماتي عليك !
في آخر مرة..
كنت… كتبت لك خبرا مزعج
لكن؛ الآن………
لا..لن اكتب شيئا مزعج. !!
فانتظريني
في آخر هذا الوقت
قد تتغير كل ملامحي وجهي عليك
لكني لم أتغير :
” يغير من الدهر ما شاء غيرها
وابلغ أقصى العمر وهي كعاب.”1
ما زلت؛ كما كنت؛
أجوب الشارع:
ضيق شارع الاستقلال
فسيحة ساحة الشهداء !
يرغمني حزني؛
أن أضحك في وسط الشارع
أضحك
أضحك
أضحك
لكن…
أول الغيث قطرة
نقطة؛

نقطة؛

فنقطة
الجزائر1975

قيثارة الرعد

إذا ارتحلت نحو الديار قصائدي
فلا الليل يخفيها، ولا القدر الصلد!
عبرنا إلى أيامها ساحل الهوى؛
محيطا من البلوى؛ ريـاح به تعـدو.
وكانت عصافير؛ من الفجر عذبة،
وحلـم من الأوراس قيثاره الرعـد!
فيا زهرة في الريح؛ هذي مشاغلي
طيور من الفجر الجميل؛ بها تشـدو
تجيء كبرق؛ كل صبح؛ غريرة؛
وقلبي مـن الأشـواق؛ أتعبـه الصـد.
لعينيك يا حلم قصائد موسم؛
على صفحـات العمر؛ وقعـه الوعـد
ألا.. فابحثي في العشب قلبي مبحر
حقائبـه حبـلى بمـا أثخـن الوجـد
فهذي بلادي حفلة العشق، والهوى
وما قدر الإنسان، إن خانه المجـد?!
تطوف خيالات من الموسـم الـذي
سقاه سقاة، من حنـاجـرهـم رعـد
.. وتنكسر الأمــواج؛ دون مذلـة
إذا كان جذرا لصخر في الأرض يمتد
وتلك بقايا العار يعلو ضجيجها
كبوم على الأطـلال تنعـب، تحتـد
ويزحف نحو المجد إنسان عصرنا
وما قالـه التاريـخ لـيس لـه بــد

الجزائر 1975

العبور نحو بوابة الخروج
صوتها كان يمتد جسرا؛
من الحزن؛
بين العراق وفاس
التي عشقت عريها في سنين الهزيمة:
– معتم الوجه كان.
– حسنا.
– صفد الحزن عظم اللسان.
– حسنا.
– فقد الاتزان المكان!
– ……………
وتكدس فوق جبيني نهر…
تساقطت المومسات / الحواجز؛
أبحرت نحو حواري دمشق؛
وسافرت مستوحشا في ضواحي المدينة؛
كانت حزينة.
منذ أطفأت النار هذي البيوت
التي لم تعد تتذكر طعم الرغيف.
شعرها كان سنبلة في الحقول،
خدها كان تفاحتين،
ثغرها كان بنت الكروم،
صدرها كان كوخا حزين،
نهدها كان مطفأة العابرين،
فخذها كان ..
كان.
تعبر الفجر خيل الخوارج؛
مثل البيارق؛
نحو امتداد الفرات الخصيب،
أصفر كان وجه المسافر،
ـ ثار في البصرة الفقراء.
ـ ……………………………..
ـ أشعلوا النار في واجهات الحوانيت؛
أحرقت النار وهران، والقدس.
كان الأمير المعظم؛
يلعق دما تساقط من غمد سيفه
حين اختفى التاج من رأسه
في ضواحي المدينة:
ـ يولد الزمن الغجري إذا سكت الفقراء !
ـ حسنا
ـ حسنا
في دمشق،
وفي الكوفة الحجرية،
وفي زنقة القصبة؛
كنت ..
تثقلني صخرة في اللسان.
غير أني في السوق؛
لاقيت أهوال عصر المغول،
وفي حلقة الفقراء
استمعت إلى هودج الكلمات:
اسمعوا أيها الواقفون على حافة الموت
والفقر يسرقكم،
اصرخوا:
ـ تسقط الأنظمة!
أصوات:
تسقط الأنظمة ..
ـ تسقط العاهرة!
أصوات:
تسقط العاهرة..
وامتطيت السحاب؛
أسابق ظلي :
ـ اتبعوني؛
اتبعوا أيها الفقراء!
فأنا من دمشق الى سلجماسة،
جسر الوداع،
وجسر اللقاء!
……………………………………
أيها المتعبون اعبروا!
فدمي النهر والمركبة!
و ذراعي الجسور. ! !
الجزائر 1973

Categories:   أفكار و كلمات

Comments