فضاء أحمد حمدي

 

الشاعر جيلي عبد الرحمن

أجرى معي هذا الحديث الكاتب والصحفي المعروف حميد عبد القادر مسؤول القسم الثقافي بجريدة الخبرونشر يوم الخميس 24سبتمبر 2020

ؤال الأول: كنتَ من بين الشعراء المقربين جدا من الشاعر السوداني الراحل
جيلي عبد الرحمن، الذي يلقب بالشاعر المهاجر، ما هي الظروف التي جرى فيها تعارفكما ؟
ج ــ في ابداية أود أن أنوه بالمجهودات التي تبذلونها من أجل نفض الغبار عن فترة جد هامة في تاريخ الجزائر الثقافي، فترة اتسمت بالحيوية والنشاط والثقة في المستقبل ، والتجنيد الشامل من أجل التخلص من بقايا الاستعمار ، وطبعا هذا ليس بغريب عن جزائر خارجة لتوها من استعمار بغيض دام أكثر من قرن وثلث القرن من القمع والاحتلال والعزل ، ولكل هذا تبدو أهمية هذه الفترة ثقافيا .. أهمية التأسيس وإعادة البناء الثقافي حيث فتحت ورشات الادب والفن والفكر والمسرح والسينما والفنون التشكيلية ..الخ في هذا الجو فتحت أبواب الجزائر أمام كل الثوريين والتقدميين في العالم حتى صارت تعرف بمكة الثوار على حد تعبير الزعيم الغيني أنذاك أميلكار كابرال رئيس الحزب الافريقي لتحرير غينيا وجزر الرأس الاخضر،
في هذا الجو فتحت ورشة الادب الجزائري ، وكانت تنظيميا عبر إنشاء وزارة للثقافة واتحاد للكتاب ، ونشاطيا عبر العديد من المؤتمرات والأسابيع والملتقيات الثقافية، وطنيا ودوليا ، وهذا ما جعل الجزائر قبلة للثوار وكبار الكتاب ، ولا أنسى أن أشير إلى أن الجزائر كانت مفتوحة الابواب حيث كل الصحف والمجلات العربية والفرنسية توزع في أغلب المدن الجزائرية في وقتها .
أما في العالم العربي فقد كانت حمى الأفكار التحررية في أوجها ، وكانت الثقافة العربية تخوض تجربة التجديد، وعلى رأسها الشعر حيث ظهر ما يعرف الان بشعر التفعيلة أو الشعر الحر وما يسميه التوانسة في غير العمودي والحر، وفي مصر ظهرت تيارات أدبية متنوعة والتف كل تيار حول منبر اعلامي مثل الاهرام والجمهورية والطليعة والهلال ..الخ
وفي خضم ذلك ظهر في مصر تيار ادبي سوداني حديث يرتكز على البعد الافريقي الذي يفتقده الشعر والادب العربي وضمن هذا التيار برز الشاعر جيلي عبد الرحمن والشاعر تاج السر الحسن والسوداني الليبي محمد الفيتوري ، والروائي الكبير الطيب صالح الذي نشرت الهلال روايته ( موسم الهجرة الى الشمال )
في هذا المناخ تعرفت على جيلي عبد الرحمن من خلال كتاباته وترجماته للادب الروسي ، بمعنى أن كتاباته قد سبقته للوصول الى الجزائر.
في بداية النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي انتخبت عضوا في الهيئة التنفيذية لاتحاد الكتاب الجزائريين حيث شغلت منصب الامين الوطني المكلف بالعلاقات الخارجية، وباعتبار أن الجزائر عضوا في اتحاد الكتاب الافرواسياويين حضرت اجتماع المكتب الدائم للاتحاد بموسكو وعلى هامشه التقيت بجيلي عبد الرحمن الذي كان في هذا الوقت استاذا في جامعة عدن باليمن الجنوبي ، كان اللقاء في بيت الروائي العراقي الكبير غائب طمعة فرمان، كان لقاء مفعما بالود والمحبة وكأننا نعرف بعضنا البعض من الاف السنين ، ومن ذلك الوقت ونحن أصدقاء، وازدادت علاقاتنا وثوقا عندما اختار الانتماء الى جامعة الجزائر وحضوره الدائم لمختلف النشاطات الثقافية سواء في الجامعة أو اتحاد الكتاب الجزائريين في حلته الجديدة، وبهذا الصدد أذكر أنه حضر العديد من المهرجانات والملتقيات الادبية والفكرية والتي انطلقت في بداية الثمانينيات، على الخصوص.

السؤال الثاني: استقر جيلي عبد الرحمن في الجزائر خلال مطلع ألثمانينيات ودرّس بها، هل ترك أثرا شعريا في جيلكم؟
ج ــ قلت سابقا أن الجزائر كانت قبلة الثوار ، ولهذا نجد في جامعتها كبار الاساتذة من أمثال شكري فيصل وإحسان النص وبديع الكسم وطعيمة الجرف وعبد الرحمن بدوي وسعد زهران وفاضل سوداني ومحمد حسين الاعرجي الصديق الحميم لجيلي عبد الرحمن، وهذا ما جعل جيلي يختار الاستقرار في الجزائر، وينهي عمله بجامعة عدن اليمنية .
ومن جانب آخر يمكن القول أن نعم؛ لقد ترك أثرا كثيرا من خلال طلبته حيث غرس فيهم حب المعرفة والبحث والعلم والمثابرة والروح النقدية والرؤى الفكرية المستقبلية ، والذوق الجمالي الرفيع ، ومن جانب الاثر الشعري ؛ فإن جيلي قد واكب الحركة الثقافية في الجزائر، وساهم فيها بكل حيوية، مثلا شارك في أغلب مهرجانات محمد العيد ال خليفة ببسكرة ، وكان يرغب دائما، أن تكون مساهمته في الاطراف مثل سيدي خالد وأولاد جلال والوادي، وكان في هذه المشاركات يلتف حوله التلاميذ والطلبة، ويستمعون الى نصائحه وارائه

السؤال ألثالث: كان جيلي عبد الرحمن ماركسيا على المستوى الأيديولوجي أو السياسي، لكننا لا نلمس ذلك في شعره، فقد احتفظ بجمالية لا يرقى لها الشك، كيف كان ينظر للعلاقة بين الشعري والأيديولوجي؟

ج ــ نعم كان ماركسيا مثل الماركسيين الجزائريين الذين يحافظون على صلواتهم في وقتها تماما، لقد كان جيلي من أسرة صوفية محافظة وحافظا للقران الكريم، ودارسا بالازهر الشريف، حيث أنهى دراسته الابتدائية والثانوية. وحياته في الأزهر شكلت منعطفا كبيرا في وعيه الاجتماعي الامر الذي جعله يتعرف على الظلم الاجتماعي والقمع ، وقد شارك في مظاهرة طلابية وزج به على اثرها في السجن .
من هنا كان انتماؤه الى اليسار، فالماركسية عنده منهج للتحليل العلمي وليس عقيدة ، ولهذا وكما لاحظت في سؤالك فلا نلمس تأثيرا كبيرا للماركسية في شعره بل تجده مشحونا بنزعة انسانية ترفض الذل والعبودية والخنوع ، ولكنها تشعر بالضياع والغربة والانكسار والمرارة ، وكان حريصا على أن لا يكون مغلولا في قوقعة أيديولوجية ، فالشعر عنده حر والايدولوجيا نظام ، ومن جانب اخر فإن الايدولوجيا مبثوثة في كل عمل اتصالي، والشعر عمل اتصالي، هذا الموضوع شائك، ويتطلب المزيد من البحث والدراسة .

السؤال الرابع: ما هي أهم المواضيع التي تطرق لها في ديوانه الشهير “الجواد والسيف المكسور”؟

ج ــ تطرق في هذا الديوان الى مواضيع متعددة ، تعكس أفكار وأحلام ورؤى الشاعر وجيله ، ويعتبر هذا الديوان من أهم أعماله الشعرية إن على مستوى الشكل وإن على مستوى المضمون.
فعلى مستوى الشكل حقق قفزة نوعية في حقل التجديد في الشعر العربي حيث تم التخلي تماما عن فخامة اللفظ ومنبرية الخطاب الشعري، وصارت لغته قريبة جدا من العادية ومن السرد النثري وبذلك هيمنت لغة الهامش ومفردات الاسوار والقاع والسجن والفقر والجوع .. الخ
وذلك ما تم تكريسه أيضا على مستوى الاوزان فقد صارت التفعيلة مكان البحر وتحررت القافية من الرتابة المملة .
وعلى مستوى المضمون فقد اقتربت من عالم المهمشين وعمقت البعد الافريقي في الشعر العربي وعكست مشاعر وأحاسيس الغربة والضياع والانكسار والامل الضائع ؛ فالجواد موجود لكن خذله السيف.

السؤال الخامس: هل كان يشعر بالحسرة من التراجع الذي عرفته الأيديولوجية الماركسية التي كان يؤمن بها؟
ج ــ في الحقيقة فإن جيلي عبد الرحمن كان يشعر بالانكسار وليس بالتراجع، بالاحباط وليس بالحسرة، لقد كانت رؤاه ثاقبة … كانت قبل البرسترويكا وكانت عندما كان الاتحاد السوفييتي قائما وفي أوج قوته … انظر الى عنوان ديوانه الاشهر”الجواد والسيف المكسور” فهو يختصر بكثافة عالية أفكار جيلي فالجواد والطريق والبطل والجماهير موجودة وجاهزة، لكن الوسائل والادوات منكسرة ومحطمة وصارت تشكل حواجز في طريق الانطلاق والنهوض.

السؤال السادس: يبقى الحزن والشوق للوطن الذي ابتعد عنه كثيرا، ثيمات أساسية في شعره منذ ديوانه الأول، لماذا نلحظ هذه النبرة الحزينة في جل قصائده تقريبا؟
ج ــ قلت سابقا أن شعر جيلي عبد الرحمن ينبع من واقعه المعاش فهو مرآة عاكسة لحاله وأحواله، فقد خبر قاع المجتمع وعرف عالم التهميش والظلم الاجتماعي والانكسار وقساوة الغربة والاغتراب … كل هذا انعكس في شعره وطبعه بطابع الحزن والأسى ، لكن هذا لم يجعله يستسلم لليأس والإحباط بل جعله دائما يبحث عن بصيص الامل في دهاليز النفق.

السؤال السابع: ما هو موقع جيلي عبد الرحمن في الفضاء الشعري العربي؟
ج ــ ظل الشعر العربي يغترف من حقل الماضي على مختلف الاصعدة ومثقلا بتراث كبير ، من الصعب تجاوزه، بيد أن عصر النهضة قد اقترب من طرح بعض الأسئلة الجوهرية مستعينا بالثقافة العصرية والاحتكاك بالغرب وهنا برزت المدارس والتيارات الفكرية الغربية كالرومانتكية التي تبناها جيلي وصحبه في ذللك الوقت وأعني تاج السر الحسن ومحمد الفيتوري ، وهذه الرومانتكية مفعمة بالحزن والضياع والغربة لكن سرعان ما اندمجت هده الجماعة في التيار الاجتماعي والثورى مركزة على نزعة العمق الافريقي للشعر العربي، وتلك هي الاضافة الحقيقية التى انجزها جيلي في الشعر العربي.

السؤال الثامن: ما تحتفظ في ذاكرتك عنه؟
ج ــ كان حاضر البديهة ، هادئ الطبع ، مبتسما حتى أمام الشدائد ، أتذكر وهو على فراش المرض في مصطفى باشا قد عاده عدد كبير من طلبته، فاكتظ الجناح الذي كان به وتزاحمت الطالبات بباقات الورود، الامر الذي جعل عمال المستشفى والاطباء يتساءلون عن هذا المريض وعندما عرفوا أنه شاعر سوداني كبير احتفلوا به على طريقتهم، وصاروا ينظمون الزوار ويرتبون باقات الورود .. في هذا الخضم نظر الي وقال : من قال أن الشعر مات؟

Categories:   أفكار و كلمات

Comments