فضاء أحمد حمدي

 

تاريخ الصحافة العربية في الجزائر

مقدمة كتاب ” الصحافة العربية في الجزائر”
“الصحافة في كل شعب ترجيع للأصداء المختلفة التي تتجاوب في شتى ميادينها، ومرآة صقيلة تنعكس فيها الأحداث  السياسية والاجتماعية التي تضطرب بها آفاق البلاد في مختلف مراحل نموها وانبعاثها”.

ذلك هو مفهوم مفدي زكرياء للصحافة، وتلك هي رؤيته لوظيفتها الرائدة في بناء ذاكرة الأمة، وتفعيل دورها في المجال الحضاري. من هذا المنطلق الواضح راح يبحث في مختلف وقائعها، ومراحل تطوراتها، وزوايا تاريخها الحافل بالجزائر، حيث أسفر بحثه ذلك عن برنامج إذاعي اشتمل على 23 حلقة، تم بثها عبر الإذاعة التونسية ما بين سنة 1959 وسنة 1961 أثناء الثورة المسلحة، وقد حرص المؤلف على جمعها في هذا الكتاب المتميز، والأول من نوعه، والذي نقدمه للقراء بعد ربع قرن على رحيل صاحبه إلى جوار ربه.

ملامح من سيرة مفدي زكرياء
وقبل كل شئ لا بد من الحديث قليلا عن مؤلف هذا الكتاب، فهو مفدي زكرياء  بن سليمان من مواليد 12 جمادى الأولى سنة 1325 هـ(1) الموافق  لأفريل 1908 ببلدة بني بزقن ـ غرداية، وفيها ابتدأ حفظ القرآن الكريم، وفي السابعة من عمره انتقل إلى مدينة عنابة مقر تجارة والده، ثم أرسل إلى تونس ضمن البعثة الميزابية، التحق بجامع الزيتونة سنة 1926.

بدأ العمل السياسي في أوائل الثلاثينيات ضمن صفوف “جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين” وحزب “نجمة شمال إفريقيا”  ثم “حزب الشعب الجزائري”  ثم “حركة الانتصار للحريات الديمقراطية” ثم “جبهة التحرير الوطني” .

ساهم بشكل فعال في النشاط الأدبي والسياسي في كل أقطار المغرب العربي ودخل السجن خمس مرات ابتداء من سنة 1937 وانتهاء بسنة 1959.

كان أمينا عاما “لحزب الشعب الجزائري”  ورئيسا لتحرير لسانه المركزي صحيفة “الشعب” سنة 1937 و 1938.

واكب إنتاجه الفكري والأدبي تاريخ الجزائر الحديث، ابتداء من سنة 1925 إلى أن توفاه الأجل يوم 2 رمضان 1397 الموافق 17 أوت 1977 (2) ودفن في بلده الأصلي بني يزقن.

لقد كتب أغلب الأناشيد الوطنية التي ما فتئت ترددها الحناجر، مثل ” فداء الجزائر” و” نشيد الطلبة ” و”نشيد العمال” و” نشيد جيش التحرير ” والنشيد الوطني  ”  قسما ” ..الخ.

هذه ملامح وجيزة من السيرة الذاتية لمفدي زكرياء ..ملامح تعبر عن شخصية فذة، متعددة المواهب، مفعمة بالنضال الصلب، والمواقف الوطنية العظيمة، فإلى جانب كونه صحفيا بارزا فإنه باحث متبصر، وأديب ناثر متميز، وزعيم سياسي محنك، بل إنه ـ كما ألمحنا سابقا ـ أحد مؤسسي أهم حزب من أحزاب الحركة الوطنية الذي صدح بأعلى الأصوات إبان الثلاثينيات من القرن العشرين مطالبا بحق الاستقلال، ولو بأغلى الأثمان، ذلكم هو  “حزب الشعب الجزائري”. غير أن كل هذه الزوايا المشرقة ظلت تغطيها الظلال الوارفة لشجرة الشعر الباسقة التي رعاها مفدي زكرياء، بل يكاد يطوي النسيان تلك المواهب المتعددة.

فما هي الأسباب يا ترى ؟

لا شك أن الإجابة على ذلك تتطلب استقراء تاريخيا، يفضي إلى تحديد الظروف والمحيط الذي ساعد على تكوين شخصية مفدي، حيث أنه دون ذلك لا يتم إنتاج المفاتيح الأساسية لمغاليق السؤال المطروح.

مفدي زكرياء المناضل
تكاد  شخصية مفدي النضالية وحنكته السياسية أن تكون مجهولة لدى الشباب، رغم كونه، كما ألمحنا سابقا، أحد مؤسسي “حزب الشعب الجزائري” البارزين، ورفيقا حميما لمصالي الحاج، ولا نبالغ إذا قلنا أن كثيرا من مفردات الخطاب ا|لأيديولوجي الجزائري كانت من بنات أفكاره، فقد عرف السجن كمناضل لأول مرة سنة 1937 اثر حل حزب الشعب الجزائري رفقة مصالي الحاج وحسين الأحول ليطلق سراحه سنة 1939 ليلقى عليه القبض مرة ثانية سنة 1940 ليعود مرة أخرى للسجن إثر مجازر 8 ماي 1945 وعندما يترشح للمجلس الجزائري، باسم حركة انتصار الحريات الديمقراطية، يكون ضحية تزوير مفضوحة.

انضم إلى “جبهة التحرير الوطني” بعد تأسيسها بأيام قلائل، ليكتب بدمه،  في غياهب سجن بربروس الرهيب،  وبالضبط  يوم 25 أفريل سنة 1955 في الزنزانة رقم 69 النشيد الوطني الخالد ” قسما”(3)، وبمجرد أن أطلق سراحه حتى فر إلى المغرب الأقصى ليلتحق بصفوف الثورة بتونس، ليساهم بنشاطاته النضالية المختلفة في التعريف بنضال الشعب الجزائري وحقوقه في الحرية والاستقلال، وضمن نشاطه السياسي أيضا، فقد كان من المساهمين أيضا في تأسيس الحزب الدستوري التونسي الأمر الذي يدل على نظرة مفدي التي تؤكد على ضرورة وحدة المغرب العربي الكبير، وهي نفس المفاهيم والرؤى التي تشبع بها من أدبيات “نجم شمال إفريقيا”، وانعكست بصورة جلية في نصوصه الشعرية، وفي مختلف مراحل حياته السياسية التي طبعت حتى في مرحلة استعادة الاستقلال الوطني بطابع الرفض التام لكل ما لا يتوافق وتلك القناعات  المبدئية الراسخة.

مفدي زكرياء الصحفي
لا شك أن مفدي زكرياء يعتبر من أوائل المؤسسين للصحافة الوطنية، أي تلك الصحافة التي تتميز عن صحافة “الأهالي” وعن صحافة “الكولون” و”الجمعيات”، بكونها صحافة تحمل مشعل الدفاع عن الوطن، وتحث على توحيد الصفوف لتحريره من قبضة المستعمر، وينضوي أغلبها تحت لواء “حزب الشعب الجزائري” بتعدد مسمياته.

أول خطوة لمفدي في عالم الصحافة كانت مبادرته إلى جانب رفيقه الشاعر رمضان حمود، عندما  أسسا جمعية “الوفاق” الأدبية التي أصدرت صحيفتها في الفترة ما بين 1925 و1930 في تونس.

ولدى عودته إلى الجزائر أسس جمعية مماثلة، وأصدر لها صحيفة “الحياة” التي صدر منها ثلاثة أعداد فقط سنة 1933.

في هذه الفترة انضم مفدي إلى حزب “نجم شمال إفريقيا” الذي رفع شعار الوطنية والتحرر التام من ربقة الاستعمار ، وقد بدأ نضاله المبكر في صفوف “جمعية الطلبة المسلمين في شمال إفريقيا”، التابعة للنجم، وبعد حله من طرف القوات الاستعمارية، تأسس من جديد تحت اسم “حزب الشعب الجزائري”  وكان مفدي من ضمن مؤسسيه البارزين، ومن موقعه ذلك أسس صحيفة “الشعب” باللغة العربية باعتبارها  لسان حال الحزب، لكن السلطات الاستعمارية كانت له بالمرصاد إذ سرعان ما أوقفت الجريدة، وزجت بمفدي مع قادة الحزب في غياهب السجون.

ورغم انشغالاته الوطنية العديدة هذه، فقد ظل مراسلا وفيا لعدد معتبر من الصحف والمجلات التونسية، بأسماء مستعارة مثل ” الفتى الوطني” و “أبو فراس” كما كتب لبعض الصحف الجزائرية السرية مثل “الوطن” و “العمل الجزائري”  .

تميزت كتابات مفدي الصحفية بطابعها الثوري، وحماسها الفياض، ولغتها الصافية والمباشرة، عندما تكون موجهة لجماهير الشعب، وطافحة بالتهكم والسخرية اللاذعة عندما تكون موجهة لقوى البطش الاستعماري، وقد غلب على كتابات مفدي في هذه الفترة المقال الصحفي والتعليق، دون إغفال بقية الأجناس الصحفية الأخرى، ويعود سبب ذلك إلى أن مفدي ينزع نحو صحافة الرأي لا صحافة الإثارة، لكن ذلك لا يمنعه من أن يكتب بأسلوب صحفي بليغ، طابعه تحريضي، وهدفه تعبوي،  وسياقه حماسي متمرد.

ولم يكن نشاط مفدي الصحفي محصورا في الصحافة المكتوبة، بل كانت له تجربة متميزة في الصحافة المسموعة، حيث أعد جملة من البرامج الإذاعية الهامة، ذات الطابع التخصصي كبرنامجه عن الأدب الجزائري، وكذلك برنامجه المتميز عن تاريخ الجزائر، وخاصة برنامجه عن تاريخ  الصحافة العربية في الجزائرـ موضوع هذا الكتاب ـ الذي يعتبر الأول من نوعه في هذا الاختصاص.

ومن خلال تصفح هذا الأخير، يتبين لنا مفهوم مفدي زكرياء لوظائف ومهام الصحافة، ودورها الفاعل في المجتمع، قد لخصها في قوله المتصدر لهذه المقدمة، وهو:

“الصحافة في كل شعب ترجيع للأصداء المختلفة التي تتجاوب في شتى ميادينها، ومرآة صقيلة تنعكس فيها الأحداث السياسية والاجتماعية التي تضطرب بها آفاق البلاد في مختلف مراحل نموها وانبعاثها”.

وقد أدرك مناورات الاستعمار وحرصه على إنشاء صحافة استعمارية ناطقة باللغة العربية، وقد عبر عن ذلك بقوله:

“إنشاء صحافة عربية تخدم ركاب الاستعمار، وتشيد بمآثر فرنسا، وتسبح بحمدها، قصد تركيز الاستعمار وتغرير الشعب الجزائري الذي ما انفك يقاوم المحتل ويثور ضد نفوذه في البلد”

وتجدر الإشارة إلى أن بعض فصول “تاريخ الصحافة العربية في الجزائر” ـ وهذا العنوان من وضع المؤلف ـ قد تم نشرها  في مجلة “الشباب” التي أصدرتها قيادة الثورة بتونس سنة 1959.

مفدي زكرياء الأديب
أما شخصية مفدي الأديب، فتتجلى في أسلوبه كناثر من خلال قوته التعبيرية الهائلة، وقدرته التقنية العالية في صياغة وكتابة المقال الأدبي، أو عبر محاولاته القليلة لكتابة القصة القصيرة، ولا شك أن عبارته النثرية تظل مشبعة بالخيال الشعري، ذي العبارة الواضحة، والإيقاع المتواتر، والبلاغة النادرة التي تؤكد عبقرية فذة.

مفدي زكرياء الشاعر
وضمن مواهب مفدي المتعددة  تبرز شخصية الشاعر الملتزم الذي يجسد بكل جدارة وكفاءة وظيفة المثقف العضوي، وتفانيه في خدمة قضيته، لكن في الفترة التي بدأ نجم مفدي يسطع كان الشعر الجزائري يعيش مرحلة انحطاط وعزلة تامة عن الجماهير، نتيجة القهر الاستعماري وسياسة التجهيل ومنع اللغة العربية وآدابها، ومحاربة التواصل الثقافي العربي في الجزائر، من هنا كان دور مفدي، إلى جانب محمد العيد آل خليفة ومحمد الأمين العمودي، بارزا في النهوض بالشعر الجزائري من كبوته تلك.

ففي سنة 1927 صدرت أول مختارات شعرية  جزائرية بعنوان “شعراء الجزائر في العصر الحديث” لمحمد الهادي السنوسي، التي تعتبر أول الغيث الذي سقى التربة العطشى، وكان حضور مفدي في هذه المجموعة بارزا. واثر ذلك  تبدأ الصحافة الجزائرية بنشر العديد من القصائد لشعراء جزائريين، حيث تبرز مدرستان متكاملتان،  مدرسة يتزعمها محمد العيد بشعره الإصلاحي والاجتماعي، ومدرسة يتزعمها مفدي زكرياء بشعره الثوري والوطني، وتدريجيا يعود الشعر إلى حضوره الفاعل في الحياة الثقافية.

هنا تبرز موهبة مفدي الشعرية من خلال قدرته، على صياغة العبارة الشعرية بدقة متناهية، وقدرة عجيبة على تكثيف المعاني، بحيث تتحول كلماته إلى متفجرات مزمجرة، ورصاصات صائبة، في لغة بسيطة خالية من التعقيد، تنفذ إلى المتلقي بسهولة ويسر.

والجانب المهم في كل ذلك هو أنه استطاع أن يخرج الشعر من قوقعته المنعزلة، وبرجه العاجي، ليجعله من شؤون الحياة اليومية، لدى مختلف الأوساط والفئات، بغض النظر عن مستواها التعليمي، حيث صارت تصدح به الحناجر، في مختلف المناسبات، خاصة من خلال الأناشيد الرائعة المفعمة حماسا، والثرية دلالات.

يتم ذلك بأسلوب مباشر نفاذ، خال من المساحيق، يستعمل المفردات في دلالاتها ومعانيها الدقيقة، ولا يجد صعوبة في صياغة ذلك بعفوية بالغة، عبر حرصه على اختيار الكلمات البسيطة القريبة من روح الشعب، حيث نجده  في بعض الأحيان يكتب المقطوعات والأغاني باللهجة الشعبية.

تاريخ الصحافة العربية
يعود الفضل في المحافظة على نسخة مرقونة من حلقات البرنامج الإذاعي  التي اعتمدنا عليها كنواة في تحقيق هذا الكتاب،  للدكتور سليمان الشيخ نجل المؤلف ، فقد ظلت في وضعية جيدة، مكتوبة بالآلة الكاتبة على أوراق عادية ( صفحة21x 29  ) وعلى شكل حلقات إذاعية، من الحلقة الأولى (وهي منشورة بالعدد 20 من مجلة “الشباب الجزائري” الصادرة في شهر فيفري 1961) إلى الحلقة 23.

وقد اطلع على هذه الحلقات  قبلنا  كل من الكاتب التونسي الحبيب شيبوب، وهو صديق حميم للمؤلف، والدكتور زهير إحدادن المختص في تاريخ الصحافة الجزائرية، وكتب كل منهما كلمة تنويه بهذا العمل النادر للمؤلف.

لقد أراد الكاتب أن يقوم بمراجعة النص الإذاعي وتنقيحه ثم إعداده للنشر ككتاب لكن مشاغل الحياة، والظروف القاسية التي مر بها  لم تسعفه في ذلك، وهي نفس الظروف التي حالت دون تحقيق أمنيته الأخرى، وهي تخصيص بحث آخر في الصحافة الجزائرية المكتوبة باللغة الفرنسية، والتي بلغت في ذلك الوقت أكثر من خمسين صحيفة، حسبما يذكر في الحلقة الأولى.

بيد أنه ومنذ إنشاء “مؤسسة مفدي زكرياء” التي وضعت من ضمن مهامها العاجلة نشر وطبع تراث مفدي المغمور في حلة تليق بمقام شاعر الثورة الجزائرية والمغرب العربي ، وإعادة طبع تراثه المنشور ليكون في متناول أيدي الأجيال الجديدة، قد طلبت من الكتاب والباحثين المختصين أن يقوموا بواجبهم في هذا الشأن، خاصة وأنها توفر لهم كل ما يمكن توفيره.

ضمن هذا السياق اطلعت على هذه النسخة النادرة، ورحت أراجعها حلقة ..حلقة، ثم رحت أقارن التواريخ، حيث تكونت لدي فكرة أن المؤلف رغم محدودية الإمكانيات، وقلة المراجع في تونس نهاية الخمسينيات من القرن العشرين،  إلا أنه استطاع أن ينجز شيئا عظيما، فهو الأول من نوعه في تاريخ الصحافة بالجزائر، وهو المعبر عن حيوية الإنسان الجزائري وتحديه للبطش والتجهيل ، وهو الذي يملأ الفراغ التي تعاني المكتبة الجزائرية..الخ

ورأيت أن إعداد هذا الكتاب للطبع ـ بعد مراجعة التواريخ والمعلومات ـ يقتضي تجنب الصيغ الإذاعية، والتوجه بالخطاب إلى المستمعين، وهو ما قمنا به أثناء عملية الجمع والتحقيق، لكن أمانة للبحث العلمي، وحفاظا على الصياغة التي دونها المؤلف، وتوفيرها لمن أراد الرجوع إلى ذلك، فقد أثبتنا كل تلك الصيغ في الهوامش التي هي من وضع المحقق وحده.

وبعد ذلك قمنا بتبويب الكتاب إلى ثمانية فصول، عملنا بكل جد على أن تكون معبرة عن روح الكتاب، من خلال وضع العناوين المناسبة،  ومن خلال ترتيب لا ينجم عنه أي غموض أو التباس لدى القارئ.

وقد تناول الفصل الأول، ظهور الصحافة العربية في الجزائر، حيث تم استعراض المرحلة الأولى من مسيرة الصحافة في الجزائر مع ذكر العناوين الصحفية التالية: ( المبشر- النصيح – الحق الوهراني- الأخبار – كواكب إفريقيا – المغرب- مجلة الإحياء).

وتطرق الفصل الثاني إلى صحافة المقاومة القلمية في الجزائر ومواجهة الاحتلال وقانون الأنديجينا،  كما تم استعراض صحف المرحلة الثانية من مسيرة الصحافة في الجزائر التي تميزت بنوعين:

نوع مقاوم للاستعمار وهي: (الجزائرـ المسلم ـ الإسلام ـ الهلال ـ الهلال أيضا ـ البريد الجزائري ـ ذو الفقار ـ الفاروق ـ أخبار الحرب ـ الإقـدام ـ الصديق).

وصحف موالية للاستعمار وهي: ( النجاح ـ لسان الدين.)

وتناول الفصل الثالث نشأة الصحافة الإصلاحية ومعاركها الفكرية بواسطة العديد من الوسائل “كنادي الترقي”، والحركات السياسية والثقافية “كنجمة الشمال الإفريقي” و”جمعية العلماء”، ثم يستعرض الصحف التي واكبت ذلك مثل: (المنتقد ـ الشهاب ).

وركز الفصل الرابع على مجلة “الشهاب”  التي قادت معركة الانتماء، خاصة تلك المواقف المتعلقة بالتجنيس، وحملتها الناجحة على فكرة الاندماج.

وتناول الفصل الخامس صحيفة “المنهاج” ومعركة التحرير العربية وضرورة النهوض بالأمة، دون أن يغفل طرح قضية فلسطين.

أما الفصل السادس فقد تطرق إلى صحافة الأفراد ومواصلة الإصلاح، وقد ذكر بهذا الشأن الصحف المنادية بالإصلاح وهي: (صدى الصحراء ـ الحق).

أما الصحف المعارضة للاصلاح، فتأتي على رأسها (جريدة البلاغ الجزائري).

وكرس الفصل السابع لشيخ الصحافة ومقاومة القوانين الجائرة الشيخ أبي اليقظان، وصحفه: ( وادي ميزاب ـ ميزاب..الخ)

وكان الفصل الثامن والأخير عبارة عن كرونولوجيا تستعرض الصحافة الجزائرية التي لم يتمكن المؤلف من تقديمها بشكل مفصل.

منهج مفدي في البحث
اتبع المؤلف في كتابه هذا المنهج التحليلي التاريخي، حيث يقوم بسرد الواقعة التاريخية بمختلف تفاصيلها، وعادة ما تكون  الواقعة التاريخية هنا هي تأسيس وميلاد هذه الصحيفة أو حجز ومنع تلك من الصدور، دون أن يغفل تحليل الظروف التي ظهرت فيها، أو تفحص  النتائج التي آلت إليها.

ويؤكد المؤلف اتباعه لهذا المنهج بقوله في أول حلقة:

( في أحاديثنا المتتابعة نشرح عند تحليلنا لكل مرحلة من هذه المراحل أسباب اختيارنا لهذا التقسيم، والظروف التاريخية التي جعلت هذه الصحف ترجمانا صادقا عن الأوضاع السائدة في مختلف أطوار الحياة التي مرت بها.)

وقد بدا حريصا على تقديم كافة المعلومات حول هذه الصحيفة أو تلك، وتحليل تلك المعطيات وفق أسلوب لا يخلو من التشدد إزاء الانهزاميين، أو دعاة التجنيس والاندماج.

ولا شك أن مسألة التوازن بين الفترات التاريخية التي أشار إليها الدكتور زهير إحدادن في تقديمه لهذا الكتاب، تجد كل مبرراتها في هذا الشأن، إذ أنه إضافة إلى ندرة المراجع في ذلك الوقت، فإن الحرص كان شديدا من أجل استعمال كل الوسائل لتحرير الوطن، وعدم الخوض في القضايا الجانبية التي تشتت الأفكار وتصرف الأنظار إلى القضايا الثانوية.

كل ذلك جعل مفدي زكرياء المناضل الوطني الغيور، والقائد السياسي المحنك، أن يعمل على أن تكون كل جهوده مركزة ـ حسب معتقداته ومبادئه الوطنية ـ على الفترات الحاسمة والتفاصيل التي تدعم منطلقات الكفاح الوطني. وهي الفترات التي تكرست فيها الجهود من أجل جمع الصفوف، وتمتين عرى الأخوة والمحبة بين الجزائريين.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1)  حسب برنامج الموافقات الإلكتروني فإن 12 جمادى الأولى سنة 1325 يوافق 22 جوان 1907، لكن مختلف المراجع توافق ذلك بأفريل سنة 1908م.

(2)   الأمين بشيشي، أناشيد للوطن، المؤسسة الوطنية الاتصال والنشر والإشهار ، الجزائر، 1998 ص:15 غير أن الغلاف الأخير لديوانه ” اللهب المقدس” ط. 3،  يثبت التاريخ التالي: أول رمضان 1397هـ الموافق 16 أوت 1977.

(3)    مفدي زكرياء، اللهب المقدس، الطبعة الثالثة، الجزائر، موفم للنشر2000 ص : 71

Categories:   الأبحاث والدراسات

Comments

Sorry, comments are closed for this item.